التعاون الأمريكي ـ الإيراني في إحتلال العراق ... حقائق دامغة
بقلم: د. محمد العبيدي
يعلم الجميع أن إيران كانت واحدة من أكثر الدول المجاورة للعراق رغبة في الإطاحة بنظام الحكم السابق وحتى لو كان من قبل غزو أمريكي ـ بريطاني، حيث أبدت على الدوام رغبتها تلك بشكل علني. وعندما تأكدت إيران أن الولايات المتحدة عازمة على غزو العراق وإحتلاله، بدأت طهران تتناغم مع واشنطن مرة بشكل علني ومرات عديدة بشكل سري، وحيثما أرادت واشنطن المساعدة من طهران، أبدى الإيرانيون سعادتهم بتقديمها لهم ذلك لأن إيران تعلم جيداً أن إسقاط النظام في العراق لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الولايات المتحدة، بعد أن فشلت هي بإنهاءه في حرب إستمرت ثمان سنوات. وما موافقة إيران على تعاون حزبي الحكيم والدعوة التي يحمل قادتهما الجنسية الإيرانية والمرتبطين بشكل مباشر بإيران، إلا حقيقة ناصعة على التعاون بين إيران وأمريكا لإنهاء نظام الحكم في العراق، بل الحقيقة أن الإيرانيين كانوا متلهفين لمساعدة الأمريكان في إحتلال العراق وإستمرار إحتلاله بكل الوسائل المتاحة لهم على الأرض العراقية.
بالرغم من الحملات الكلامية والإتهامات بين الدولتين، إلا أن تلك الحملات لم تكن سوى حملات موجهة بعناية لنوع معين من المستمعين، المستمعين الذين يتوقعون من كلا الدولتين مثل تلك الحملات الكلامية الباعثة على الإثارة، وخصوصاً إستعمال ملالي طهران لعبارات مثل "الشيطان الأكبر" وغيرها من الشعارات الفارغة. فمن جهة التعاون بين الإيرانيين والأمريكان، يجب أن لا ننسى، على سبيل المثال، الحملة المضادة "للإرهاب" في البوسنة التي نسقت لها أمريكا مع السعودية وإيران بعملية مشابهة لعملية "إيران كونترا" الشهيرة، والتي يبدو أن الإيرانيين أرادوا من خلالها رد الجميل للأمريكان لمساعدتهم ببيع الأسلحة لهم عن طريق إسرائيل أثناء حربهم مع العراق.
إن المساعدات التي قدمها الإيرانيون لقوات الإحتلال في العراق كثيرة، حيث أهم ما حصلوا عليه في العراق هو موافقة السيستاني الإيراني بإصدار فتواه للشيعة العرب العراقيين بعدم مقاومة الإحتلال، إضافة إلى تعاونهم الوثيق مع الأمريكان بإصدار تعليماتهم للسيستاني من أجل تخدير الشارع الشيعي العربي ودفعه للمشاركة بمهزلة الإنتخابات الأخيرة، وهذا ما أكدته إيران أخيراً على لسان مسؤوليها. أما المثال المعلن عن التعاون العسكري الإيراني مع قوات الإحتلال فهو مساعدة الإيرانيين للقوات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة في إحتلال العراق، والذي نشرته صحيفة "الأسترالي" الأسترالية وذلك أثناء الأيام الأولى للعدوان على العراق. فقد نشرت الصحيفة تصريحاً لقائد القوات البحرية الأسترالية المشاركة في العدوان على العراق، الأدميرال ريتشي، مفاده أن القطع البحرية الأسترالية وجميع السفن الأخرى في الخليج العربي قرب المياه الإقليمية العراقية قد وضعت في حالة إنذار شديد حين تم "إكتشاف" أربعة قوارب إنتحارية عراقية محملة بالمتفجرات للقيام بأعمال قتالية ضد القطع البحرية المشاركة في العدوان على العراق. وما لا يعرفه القارئ أن هذا التحذير قد جاء بناء على معلومات من الإيرانيين عندما إكتشفت قوات خفر السواحل التابعة لهم تلك القوارب العراقية في مدخل شط العرب وإعترضت طريقها، وأن واحداً من تلك القوارب قد تمت السيطرة عليه حيث كان محملاً بما مقداره 500 كبلوغرام من المتفجرات.
فهل يعني هذا الخبر الأكيد أن الإيرانيين لم يكونوا يساعدوا قوات الإحتلال بتنفيذ مهمتهم بإحتلال العراق؟
لو أن أحد هذه القوارب قد ضرب، مثلاً، سفينة المواصلات الإسترالية "كانيمبلا" التي كانت موجودة قرب المياه الإقليمية العراقية على مقربة من مدخل شط العرب، وقتل على أثر هذا الهجوم الإنتحاري المئات من الجنود الأستراليين الذين كانوا على ظهر السفينة، فألم تكن قد كانت تلك ضربة قاصمة للأمريكان ومن ساعدهم في شن العدوان على العراق، وخصوصاً في أيام العدوان الأولى؟
المهم في الأمر أن "الإكتشاف" المنوه عنه أعلاه لم يتم من قبل الأستراليين أو غيرهم من القوات المعتدية على العراق، بل تم من قبل الإيرانيين الذي أخبروا قوات العدوان به. فالأستراليين وغيرهم من قوات الإحتلال لم يكونوا بحاجة إلى وضع قطعهم البحرية بحالة إنذار شديد لولا تحذير الإيرانيين لهم، الحالة التي بدونها ربما نكون قد شاهدنا قطعة أو قطعتين بحريتين من القطع المشاركة في العدوان على العراق وقد إنتهت إلى قاع الخليج العربي بمن فيها من جنود ومعدات عسكرية. كما أن ذلك يثبت بما لا شك فيه أن الأسطول الإيراني كان يشارك بشكل فعال في العدوان على العراق من خلال مراقبته للقطع البحرية العراقية ومنعها من الدفاع عن العراق وبالأخص ما قام به من عمليات قرب الشواطئ العراقية التي كانت إحداها ما ذكر أعلاه.
الغريب في الأمر أن ذلك الحادث لم يأتي ذكره في أي من وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية، بل حتى الصحف الأسترالية لم تنشر الخبر على صدر صفحاتها بالرغم من أن الفعل الإيراني قد جنب الأستراليين كارثة كبيرة، بل نشروا الخبر في الصفحات الداخلية وبالشكل التالي، "البحرية الأسترالية أنقذت الأستراليين من هجوم قارب عراقي إنتحاري". كما لم تذكر وسائل الإعلام الأسترالية كيف أنقذت البحرية أرواح الأستراليين من ذلك الهجوم، إضافة إلى أنهم لم يذكروا أن الإيرانيين هم من حذرهم عن ذلك الهجوم.
يجب أن لا ننسى أيضاً التعاون بين إيران وقوات الإحتلال الأمريكية للعراق عندما ساعدت إيران قوات الإحتلال في القضاء على مجاميع أنصار الإسلام في شمال العراق. وعندما حاولت مجاميع من أنصار الإسلام العودة إلى داخل إيران، وبعد دخولها الأراضي الإيرانية بحوالي كيلومتر واحد، ألقت السلطات الإيرانية القبض عليهم وأعادتهم إلى العراق، كما صرح بذلك محمد حاجي محمود، زعيم الحزب الديمقراطي الإشتراكي الكردستاني، وحسبما ذكرته صحيفة Australian Financial Review الأسترالية. والمعروف جداً أن إيران كانت تدعم أنصار الإسلام بشكل سري لمدة عامين قبل إحتلال العراق مباشرة، والأغرب من ذلك أن الناطق بإسم وزارة الخارجية الإيرانية قد صرح بأن أنصار الإسلام هي مجموعة متطرفة وذات أهداف مشبوهة، وأن إيران ليست لها علاقة بهم. وعن هذا التعاون الذي أبدته إيران لقوات الإحتلال صرح وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بقوله، "إن إيران لم تفعل أي شئ يجعل من حياتنا صعبة في العراق!!!".
إضافة إلى ذلك فإن إيران قد وافقت على تسليم طيارين أمريكيين أسقطت طائرتهما فوق الأراضي الإيرانية من خلال مباحثات أجراها مع الإيرانيين زلمان خليل زاد (سفير أمريكا الحالي لدى أفغانستان)، منسق الإدارة الأمريكية مع التنظيمات والأحزاب العراقية التي لفقت الأكاذيب على العراق وساندت العدوان عليه وإحتلاله. وفي تلك المباحثات وافقت الولايات المتحدة على إنهاء وجود منظمة مجاهدي خلق المعارضة للنظام الإيراني كرد لجميل إيران في مساعدتها قوى العدوان على العراق، بل أن القوات الأمريكية قد قصفت ودمرت قاعدتين مهمتين لمجاهدي خلق داخل العراق، الأمر الذي بعث البهجة لدى الإيرانيين.
دعونا الآن نعود لزلمان خليل زاد، فالرجل قد عينه بوش مسؤولاً عن جنوب غرب آسيا والشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي وكذلك المبعوث الأمريكي لأفغانستان وإلى التنظيمات العراقية العميلة التي ساعدت في الغزو على العراق وسلموهم السلطة فيه بعدئذ. والسؤال الآن هو لماذا هذين البلدين؟ فبغداد تبعد عن كابول بـ 1424 ميلاً. والجواب هو أن هذه الأميال لها إسم، ألا وهو إيران ... فهل يكون إسم إيران هي مفتاح اللغز؟؟؟ وبالمناسبة، فإن زلماي خليل زاد هو الذي إختار حامد قرضاي لرئاسة أفغانستان، وهو الذي إختار أعضاء النخبة الأفغانية التي إنتخبت قرضاي لهذا المنصب بعد إحتلال أفغانستان، كما وهو الذي إختار مجموعات العراقيين الذين أقاموا مؤتمر لندن سئ الصيت قبل الحرب على العراق والذي عقد بحضوره. ونزيد القارئ علماً بأن خليل زاد هو أحد أركان الحركة الفاشية الشتراوسية من اليمين المتطرف والذي تتلمذ على يد أحد قادتها.
والمعروف عن خليل زاد أنه كتب في عام 1988 دراسة مهمة للإدارة الأمريكية دعى فيها لتقوية إيران وإحتواء العراق، كما كتب مقالاً في عام 1989 لصحيفة لوس أنجيليس تايمز بعنوان "مستقبل إيران كبيدق شنطرج أو كقوة للخليج" أشر فيها الأسباب الرئيسية التي على الولايات المتحدة الأخذ بها لشن حرب على العراق والتي من بينها ذكره "إن خروج العراق منتصراً على إيران سيجعله القوة التي لا تنازع في المنطقة، ولذا يجب عمل شئ ما لعدم حدوث ذلك". كما أشار خليل زاد أن إيران قد عانت بعد الحرب مع العراق من قصور ستراتيجي وأنها بحاجة إلى درجة من الحماية !!!
يجب أن لا ننسى التسليح الأمريكي والإسرائيلي لإيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية. فبدون السلاح والعتاد الأمريكي لم يكن لإيران المقدرة على خوض تلك الحرب الطويلة مع العراق خصوصاً وأنه عند بداية الحرب كانت جميع أسلحة إيران أمريكية الصنع وبهذا كانت إيران بحاجة ماسة إلى العتاد والأدوات الإحتياطية لأسلحتها والتي كانت تزودها بها أمريكا وإسرائيل.
وما حرب الخليج الأولى على العراق التي تبعها أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحصار الظالم إلا متنفساً كبيراً لإيران لإعادة بناء قوتها العسكرية التي بها تحققت نصيحة خليل زاد بإحتواء العراق وتقوية إيران. كما يجب الإشارة هنا أن الإعلام الغربي، والأمريكي منه بالذات المرتبط بالصهيونية العالمية لم يشر على الإطلاق لما جنته إيران من الحرب والحصار اللذان قادتهما أمريكا على العراق.
يقال أنه في العلاقات الدولية ينتج عن المناورات السياسية بين الدول أوضاع غريبة، كما ينتج عنها أوضاع يتم التظاهر بأنها متباعدة.
فبالنسبة لبعض القراء، سيبدو الأمر غريباً عندما يعلموا أن الولايات المتحدة أرادت مساعدة الإيرانيين، وفي إطار سعيها لتنفيذ ذلك، قامت الولايات المتحدة بحربها ضد العراق عام 1991 خلال فترة حكم بوش الأب. والسبب الوحيد في كون هذا الأمر غريباً هو أن كلاً من المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين قد تبادلوا كثيراً من الذم والطعن على مدار سنوات، مما أدى إلى تهيئة "مظهر" عداء بين الولايات المتحدة وإيران، ولكن الإيرانيين والأمريكان كانوا قد تحالفوا سراً منذ بداية حكم الخميني.
لنبدأ القصة من البداية. وصلت الأصولية الشيعية إلى السلطة في إيران مع وصول الخميني إلى الحكم. والجميع يتذكر أن الخميني قد ندد بالولايات المتحدة فور وصوله إلى الحكم ووصفها بعبارة "الشيطان الأكبر" التي رددها من بعده جميع ملالي إيران، وبعد ذلك وقع حادث الهجوم على السفارة الأمريكية في طهران وإحتلالها، إلخ... أدى ذلك كله إلى أن يبدو الخميني وكأنه "عدو" حقيقي للولايات المتحدة. ورغم تلك التصريحات التنديدية المتبادلة بينهما إلا أن الإجراءات والإتصالات السرية بين الدولتين كانت تفوق التصريحات التي تطلق في العلن. ومن جانبها، تفاعلت الولايات المتحدة مع تصريحات الإيرانيين المعادية لها، وأطلقت عليهم ألفاظ مثل "المتطرفين" و"الإرهابيين"، إلخ.
توضح قصة ما فعله الخميني فور نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، توضح أسباب دعمه للولايات المتحدة منذ البداية. فبمجرد وصوله إلى الحكم، بدأ النظام الإيراني على الفور باستفزاز العراق مما أدى إلى وقوع الحرب العراقية ـ الإيرانية. إضافة لذلك قام النظام الإيراني بتسليح الانفصاليين الأكراد شمالي العراق ودعمهم وتشجيعهم ضد نظام السلطة المركزية في العراق، وشجعوا قيادات حزب الدعوة ومجلس الحكيم الإيرانيين في التمرد ضد النظام في العراق، علماً بأن العراق قد إستقبل في حينه الحكومة الجديدة في إيران ببوادر الود.
إذاً، لماذا قامت إيران بذلك. وكيف يثبت هذا بشكل واضح أن خميني دعم الولايات المتحدة منذ البداية؟
مما لا شك فيه أن نظام الخميني الجديد إتهم الحكومة العلمانية في العراق بـ "الكفر" و "الإلحاد"، ولم تعجبه هذه الحكومة ولذلك أراد أن يضربها. ولكن هناك فرق بين الرغبة في تنفيذ شيء والقدرة على تنفيذه. فالنظام الإيراني لم يكن قادراً على الدخول في حرب ضد العراق لولا تيقنه بأن هناك من سيزود إيران بالأسلحة التي تحتاجها لتلك الحرب، خصوصاً وأن إيران كانت في ذلك الوقت في حاجة ماسة للأسلحة وقطع الغيار لجميع ترسانتها من الأسلحة الأمريكية الصنع.
لذلك، إن لم يكن النظام الإيراني لديه ثقة مسبقة بالولايات المتحدة بأنه سيحصل منها على الإمدادات اللازمة من قطع الغيار والعتاد لترسانة أسلحته الأمريكية الصنع، فببساطة أنه لم يكن ليقوي على تهديد العراق. إذاً، لماذا فعلت إيران ذلك؟ الجواب هو لأن النظام الإيراني ببساطة قد "حصل" على تلك الثقة من الولايات المتحدة، وبعيداً عن المظهر الخارجي للأحداث، كانت بينهما صداقة حقيقية.
وقد أوضحت فضيحة إيران كونترا التي تفجرت في الثمانينيات أن هناك عدداً كبيراً من المسؤولين داخل حكومة الولايات المتحدة (عدد كبير من الأعضاء ذوي الحصانة من المسؤولين رفيعي المستوى في إدارة جورج بوش الحالية) قاموا بتزويد إيران، من إسرائيل وعن طريقها، بشحنات أسلحة وبطريقة غير شرعية منذ بداية الحرب العراقية ـ الإيرانية وحتى نهاية تلك الحرب (استمرت الحرب من عام 1980 حتى عام 1988). وعندما إنكشفت فضيحة إيران كونترا، إدعى المسؤولون الأمريكان أن هذا الأمر كان ضرورياً حتى يتم الإفراج عن الرهائن الأمريكيين الذين تم أسرهم في لبنان، حيث كان للإيرانيين تأثير على مرتكبي عملية أسر الرهائن.
والسؤال الآن هو: منذ متى والقوة العظمى تقوم بتقديم شحنات أسلحة كبيرة، على مدى سنوات طويلة، إلى دولة تعتبرها القوة العظمى عدوة لها لمجرد أنه تم إلقاء القبض على عدد قليل من الأشخاص كرهائن في بلد ثالث؟ كم يبدو هذا الأمر غير صحيح؟ ولذلك، لم تكن مفاجأة أن هذا التفسير لا يعدو كونه أكذوبة، فلم يكن هناك علاقة بين شحنات الأسلحة والإفراج عن الرهائن، لأن شحنات الأسلحة التي تم إرسالها إلى إيران بدأت قبل إلقاء القبض على أول رهينة من هؤلاء الرهائن الأمريكيين في لبنان، كما أنها إستمرت لما بعد إطلاق سراح آخر هؤلاء الرهائن. فالأمر ببساطة هو أن الولايات المتحدة أرادت إمداد الإيرانيين بالأسلحة حيث كان السعي نحو تقوية الإيرانيين أحد الأهداف الجيوستراتيجية للولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الوقت، لم تتغير طبيعة العلاقة الأمريكية ـ الإيرانية. وعلى الرغم من مسرحية تصريحات الذم والطعن المتبادل في العلن، فقد جمع بين طهران الإسلامية و"الشيطان الأكبر" واشنطن الإمبريالية تعاون وثيق. لقد كان زلماي خليل زاد، الذي كانت تتخذه واشنطن كوسيط، في قلب هذه السياسة.
ولنتأمل قليلاً الترتيب التأريخي التالي لدور خليل زاد الذي كان له تأثير خلال وضع سياسات الإعداد لحرب الخليج عام 1991 وبعدها كذلك:
1988: كتب زلماي خليل زاد دراسة مهمة لإدارة بوش الأب طالب فيها بـ "تقوية إيران" و"احتواء العراق".
1989: صرح زلماي خليل زاد معلناً أن إيران، عقب انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية، كانت ضعيفة بينما كان العراق قوياً نسبياً، واستطرد قائلاً أن ضعف إيران يمثل "مشكلة"!!! ويعني هنا مشكلة للولايات المتحدة بالتأكيد.
1990: "أصبح زلماي خليل زاد مساعداً لوزير الدفاع لشؤون التخطيط السياسي.
1991: شنت الولايات المتحدة حرب الخليج ضد العراق، مما نتج عنه القضاء على البنية التحتية العسكرية والمدنية للعراق تماماً، وأدى بعد ذلك إلى موت حوالي نصف مليون طفل بعد فرض العقوبات القاسية على العراق (أكثر من عدد الموتى في هيروشيما)، وكانت تلك الحرب ذو فائدة كبرى للغاية لإيران.
1992: حسب مشورة خليل زاد، قامت وكالة الاستخبارات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية بالتعاون مع إيران بعملية جلب آلاف "المجاهدين" المسلمين الأجانب إلى البوسنة.
2003 – 2005: إذا لم يكن ذلك كافياً، فإن إيران قد تعاونت أيضاً مع الولايات المتحدة وبشكل مباشر في غزوها للعراق وإحتلاله كما ذكرنا سابقاً. كما وجاء في تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم أمثال أبطحي الذي قال لولا إيران لما تمكنت أمريكا من شن حربها ضد أفغانستان والعراق، وأخيراً تصريح سفيرهم في لندن الذي قال أننا تعاونا مع أمريكا لإنجاح الإنتخابات في العراق وأنهم، أي الإيرانيون، مستعدون للتعاون مع الأمريكان في الشرق الأوسط. ويجب أن لا ننسى أيضاً ما صرح به حسن روحاني رئيس مجلس الأمن الإيراني عندما إنتخب بوش لولاية ثانية حيث قال أن فوز بوش سيخدم مصلحة إيران العليا، ولا ندري أي مصلحة يقصد بها هنا خصوصاً والعالم يعرف أن بوش قد إعتبر إيران إحدى دول محور الشر !!!
والآن على القراء أن يخمنوا من كان الشخص المنسق للعمليات الأمريكية في العراق وأفغانستان؟ نعم هذا صحيح: لقد كان هو زلماي خليل زاد.
ربما يتحير القارئ من العلاقة السائدة بين الإيرانيين والولايات المتحدة، ذلك لأنه قبل ثورة الخميني، كان شاه إيران بالفعل دمية في يد الولايات المتحدة. وإذا كان "آية الله" يناغم الولايات المتحدة في السر، إذاً ذلك يعني أنه قد تم إستبدال دمية بأخرى. ولكن لماذا؟ ألم يكن بإستطاعة الولايات المتحدة الإحتفاظ بالدمية الأولى؟ الجواب كلا. ذلك أنه في تلك الفترة كان هناك إحساس من السخط سائد في إيران وكان الأمر على وشك الانفجار، حيث كان الشاه مكروهاً في إيران بسبب ما قام به من عمليات قمع. والسبب الآخر هو أنه لم يكن للإمبراطورية التي تقودها الولايات المتحدة أصدقاء، بل كان هناك ضحايا مستقبليين، لذلك لم يكن هناك ما يُعرف بالولاء تجاه دمية قامت بدورها المطلوب بشكل دقيق. والسبب الأخير والأكثر أهمية هو أنه في ظل فترة حكم الرئيس جيمي كارتر، قررت الولايات المتحدة رعاية الأصولية الإسلامية في آسيا بهدف ضرب إستقرار الإتحاد السوفييتي. لذلك، ونتيجة كل هذه الأسباب كان الوقت مناسباً للتخلص من الدمية القديمة ليتم تنصيب أخرى أكثر تجانساً مع السياسة الأمريكية.
يوضح السياق السابق أسباب إعتبار الولايات المتحدة ضعف إيران بجانب قوة العراق النسبية مشكلة بالنسبة لها، فالعراق لم يكن دولة دينية إسلامية أصولية، وبالتالي لم يكن مناسباً لدولة بديلة كانت تحاول الولايات المتحدة مساندتها. لذلك كانت حرب الخليج ليس فقط من أجل ما سمي بـ "تحرير الكويت" بل الهدف منها أيضاً حماية الحكم الديني الأصولي في إيران التي كانت الحليف السري للولايات المتحدة ومصدر قوة إستراتيجية وآيديولوجية لها وذلك من خلال تدمير خصمها العلماني: العراق.
ولكن تنفيذ ذلك كان يتطلب أرضية سياسية كبيرة بمعاونة وسائل الإعلام. فلماذا؟ لأنه في الوقت الذي كانت ترعى فيه الولايات المتحدة "الإرهاب" الإسلامي سراً في البوسنه، تظاهرت بأنها تحاربه علناً. لذلك، لم يكن مفيداً للولايات المتحدة أن يُعرف بأنها تحمي إيران. ولهذا السبب كان من الضروري أن تضفي على الهجوم على العراق مظهراً مختلفاً تماماً. وسعياً للوصول إلى هذا الهدف أمرت الولايات المتحدة دميتها، الكويت، بأن تستفز العراق لكي تهاجمه. وعند هذه النقطة ظهر رد الفعل على إدارة بوش الأب وكأنه "صدمة" و"إنتهاك للقوانين"، وكان هذا الفاصل القصير من المسرح السياسي هو حل المشكلة.
تم في عام 1988، تعيين الجنرال نورمان شوارتسكوف، الذي قاد القوات الأمريكية والقوات التي تحالفت معها لشن الحرب على العراق بعد ذلك بثلاثة أعوام، حيث تم تعيينه رئيساً للقيادة المركزية للقوات الأمريكية. ولقد كتب الصحفي ملتون فيورست Milton Viorst قائلاً: "يعتبر قائد القيادة المركزية بمثابة مراقب لكل الأنشطة العسكرية للولايات المتحدة في 19 دولة بالشرق الأوسط وأفريقيا والخليج العربي". ويضيف فيورست، "قام شوارتسكوف بتحويل اتجاه القيادة المركزية ـ التي كان قد تم تأسيسها عام 1983 لمجابهة التهديد السوفيتي ـ إلى مواجهة العراقيين الذين كان يعتقد بأنهم العدو الحقيقي في المنطقة".
أليس غريباً أن تجد الولايات المتحدة أنه من الضروري تحويل القيادة المركزية في عام 1988 لإستهداف العراق مع الأخذ في الإعتبار أن الإتحاد السوفييتي كان لا زال موجوداً، وكانت القيادة المركزية قد تم تأسيسها لمجابهة التهديد السوفييتي؟"
نعم، ولكن تهديد سوفييتي لمن؟ تتمثل إجابة هذا السؤال في تبديد أسطورة سبب إستهداف مركز القيادة المركزية للعراق.
فيما يلي جزء مقتبس من صحيفة النيويورك تايمز:
[[ ترجع أصول مركز القيادة المركزية إلى عام 1979 عندما تمت الإطاحة بشاه إيران وساد الاضطراب بلاده نتيجة للثورة الإسلامية. ولتوفير قدرات عسكرية لتدعيم سياسة الرئيس كارتر في الخليج في عام 1980، تم تشكيل قوة المهام المشتركة سريعة الانتشار التي عينتها القيادة والتي تم تكوين القيادة المركزية منها فيما بعد. هذا وكان باول إكس كيلي Paul X. Kelley أول قائد لها، والذي أبلغته الإدارة الأمريكية بالقيام برسم الخطط للدفاع عن إيران "الإسلامية" ضد الغزو السوفيتي".
يبدو واضحاً تماماً مما سبق أن الهدف المعلن الذي قامت من أجلة الولايات المتحدة بتشكيل القيادة المركزية هو الدفاع عن إيران "الأصولية الشيعية" تحت حكم الخميني. وكان من المعلوم أن السوفيت يمثلون أكبر تهديد لإيران، ولكن السبب الرئيسي والتركيز الأساسي للقيادة المركزية كان هو "حماية إيران". ويساعد ذلك على تيسير فهم سبب إعتبار العراق الهدف الجديد للقيادة المركزية في عام 1988، ذلك لأنه في هذا العام خسرت إيران حربها ضد العراق، كما أنها أصبحت عرضة للهجوم من دول الجوار، برأي الإدارة الأمريكية.
وفي آب/أغسطس عام 1988 أجبرت ظروف تدهور الاقتصاد الإيراني، في نفس الوقت الذي كان للعراق فيه مكاسب في ميدان المعركة، أجبرت إيران على قبول وقف إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة، ذلك القرار الذي رفضته إيران من قبل ]].
ويوضح الصحفي ملتون فيورست أن الرهان في الحرب العراقية ـ الإيرانية كان يتمثل فيما إذا كان النظام العراقي العلماني أم النظام الراديكالي الشيعي الإسلامي الأصولي الذي يرأسه الخميني هو الذي سيسود في العراق وربما في الشرق الأوسط.
إذا كان هذا هو مضمون الرهان، فإن إعادة توجيه القيادة المركزية بحيث يكون تركيزها على التهديد الواقع على إيران من العراق يوحي بأن الولايات المتحدة تسعى لحماية الأصولية الإسلامية ضد القوى العلمانية غير الدينية في العالم الإسلامي. وفي هذه الحالة، فإن حرب الخليج التي دمرت العراق، تبدو وكأنها جزء من هذه الإستراتيجية الكبرى، وذلك لأنها أدت إلى التخلص من الحكومة العلمانية التي كانت تمثل أكبر تهديد على الحكومة الإسلامية في إيران.
هل كان هذا بالفعل هو ما تريده الولايات المتحدة؟
الجواب هو نعم. ففي عام 1979 بدأ الرئيس الأمريكي كارتر بإستثارة المسلمين الأصوليين في أفغانستان بهدف مهاجمة السوفييت، وكذلك قام سراً بتحويل المملكة العربية السعودية إلى قوة عسكرية مخيفة. فما هو تفسير ذلك بالنسبة لحقيقة أن كارتر قام بإنشاء القيادة المركزية بعد ذلك بعام واحد، مع القيام في العلن بحماية إيران الأصولية تحت حكم الخميني؟
ومن هنا يتضح أن ذلك كان جزءاً من سياسية الرئيس كارتر العامة المساندة للإسلاميين ضد السوفيت. وبعد كل ذلك، فإن إيران لها حدود مع أفغانستان، وكلاهما له حدود مع الاتحاد السوفييتي السابق. ومن خلال حماية إيران الأصولية وكذلك رعاية الحركات الأصولية في أفغانستان بمساعدة المملكة العربية السعودية وكذلك باكستان، التي كان يحكمها بالفعل أصولي مسلم متحالف مع الولايات المتحدة هو ضياء الحق، فإن إدارة الرئيس كارتر كانت تسعى لحماية عصبة كبيرة ومستمرة من الراديكالية الإسلامية ضد المناطق الضعيفة في آسيا التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي السابق، والتي كان سكانها من المسلمين.
وكان الأمر أن الرئيس كارتر نفذ إستراتيجية إستخدام المسلمين بهدف تحطيم اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ـ وهي نفس السياسية التي إتبعها الرئيس ريغان. وبناءً على ذلك ومتابعةً لسياسة الرئيسين كارتر وريغان المساندة للإسلاميين سراً، أراد الرئيس بوش الأب في عام 1991 أن يتخلص من التهديد الذي كان يمثله العراق لإيران، وبذلك زادت هيبة إيران، تلك الهيبة التي كانت أمريكية الصنع.
ختاماً، وبالرغم من تصريحات بوش وتشيني الأخيرة بتأييد إسرائيل فيما لو ضربت المفاعل النووي الإيراني، يخطأ من يظن أن الولايات المتحدة ستهاجم إيران من أجل إحتلاله كما فعلت في العراق، فتلك هي جزء من اللعبة السياسية بين إيران والولايات المتحدة وجزء من لعبة الإثارة الكلامية التي أجادتها الدولتين، على الأقل لحد الآن. وبعد ظهور نتائج مهزلة الإنتخابات، أصبح العراق وبشكل علني القاسم المشترك للتعاون الستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة.
د. محمد العبيدي

17/2/2005