[align=center]

ياسر الزعاترة
27/2/1425
17/04/2004


في مقال نشر الشهر الماضي روى فيه المراسل الصحفي البريطاني الشهير (روبرت فيسك) كيف سمع وشاهد أثناء عودته من مدينة الفلوجة إلى بغداد خلال شهر شباط الماضي دوي انفجارات لقذائف هاون ونيران رصاص حول 13 قاعدة أمريكية، لكن ذلك لم يكشف عنه في وسائل الإعلام. وأضاف فيسك أنه قد رأى بأم عينه في ذات اليوم خمسة قذائف هاون تسقط في مطار بغداد بالقرب من المدرج، وعندما سأل عنها الجنرال ريكاردو سانشيز رد بأنه لا يعرف شيئاً عن الموضوع.
لم تكن الشهادة المذكورة وحيدة فريدة في سياق التعتيم الأمريكي على عمليات المقاومة والخسائر التي تتسبب فيها؛ فلدينا عشرات الشهادات المشابهة من قبل أناس قدموا من العراق، بينهم صحافيون ومواطنون عاديون، عراقيون وغير عراقيين، لكن شهادة فيسك تبقى مهمة من مراقب غربي خبر تغطية الحروب والنزاعات لثلاثة عقود متواصلة.
لا شك أن المقاومة العراقية ضد الاحتلال لم تتوقف يوماً واحداً منذ سقوط بغداد في التاسع من نيسان عام 2003، بدليل أن معارك المتطوعين العرب الذين أصروا على القتال بعد سقوط المدينة لم تتوقف لأيام بعد ذلك؛ لكن الإعلام كان منشغلاً عنهم بسيناريوهات مسرحية أخرى أعدتها شركات العلاقات العامة الأمريكية الكبرى لحساب وزارة الدفاع والخارجية الأمريكية، وغالباً ما كانت ساحة الفردوس في وسط بغداد ميداناً لها.
سقطت بغداد لكن راية المقاومة لم تسقط فقد تلقفها من أيدي المجاهدين العرب عدد من الشبان العراقيين الذي عرفوهم، ولتمتد الشرارة يوماً إثر آخر مخلفة حريقاً لا زال يشعل ثوب بوش وجنرالاته في البنتاغون.
منذ اللحظة الأولى قرر الأمريكان أن ساحة المواجهة الرئيسة مع المقاومة هي ميدان الإعلام ما دام أكثر من نصف العراقيين، وربما الثلثين لا يريدونها، فبدأت عملية تجفيف ينابيع أخبار المقاومة من وسائل الإعلام شيئاً فشيئاً، وذلك بعدما أطلق "تيسير علوني" المصطلح إثر زيارته لمدينة الفلوجة بعد أسبوعين من سقوط بغداد.

معركة الإعلام.. وسائل وأهداف

على صعيد أهداف معركة الإعلام الأمريكية، يمكن القول إن هدف مطاردة أنباء المقاومة في العراق كانت تتمثل في حرمانها من الهواء الذي تتنفس منه. وللتوضيح فإن من المعروف أن المقاومة تحتاج قدرًا من الشعور بصدى فعالياتها في وسائل كي تستمر، كما لا بد لها كي تحصل على فضاء مساند من الإعلام الذي ينقل صدى بطولاتها فيوفر لها وسائل الدعم والإسناد والغطاء الجماهيري الداخلي والخارجي.
كان الإعلام يفعل عكس ذلك تماماً، فبدلاً من بث أخبار المقاومة وفعالياتها ضد جنود الاحتلال، كان التركيز يجري على أية عمليات تمس المدنيين العراقيين وقطاع الشرطة، ما يؤدي إلى استثمار ذلك من قبل مناهضي المقاومة بالهجوم عليها بوصفها تضر بالعراقيين بدلاً من أن تفيدهم.
لا شك أن الداخل الأمريكي كان حاضراً في سياق لعبة التعتيم على أخبار المقاومة خوفاً من بداية رفض في الشارع الأمريكي لبقاء قواته في العراق خوفاً من تكرار تجربة فيتنام. يضاف إلى ذلك ما يتصل بمعنويات الجنود الأمريكان أنفسهم.
مطاردة الإعلام من جهة أخرى كانت تقضي طوال الشهور الماضية بالتعتيم على أنباء الانتهاكات التي يتعرض لها العراقيون في الفضاء المؤيد للمقاومة، وهي انتهاكات غدت تتفوّق على الانتهاكات الإسرائيلية المشابهة صد الفلسطينيين، سواء من خلال المداهمات وهدم البيوت أو الاعتقالات العشوائية، وما يمكن وصفه عموماً بأنه سياسة العقوبات الجماعية.
بالنسبة للأدوات المستخدمة في التعتيم، كانت ثمة وسائل عديدة يأتي تهديد وسائل الإعلام على رأسها، الأمر الذي لم يتوقف عند الفضائيات العربية؛ بل تجاوزها نحو الوكالات الأجنبية التي تعرض مراسلوها ومصوروها إلى أنماط شتى من المطاردة وحتى التهديد بالقتل.
لقد اضطر المراسلون بعد رحلة معاناة إلى تجاوز المقاومة إلى حد ما باستثناء ما تتيحه لهم وسيلة الإعلام التابعة للقوات الأمريكية، والتي تكتفي بخبر أو خبرين عن المقاومة مع اعترافها المتكرر بما يتراوح بين عشرين وثلاثين عملية في اليوم.
الصور في العموم كانت ممنوعة، وفيما كان جنود الاحتلال يخلون مكان أية عملية وينظفونه على نحو عاجل كان المصورون يطارَدون ويُعتقلون إذا ما فازوا بصورة معينة تحت طائلة بند قانوني اكتشفه المحتلون عنوانه العلم المسبق بالعمليات.
بالطبع تبدو مسألة أعداد القتلى إشكالية إلى حد كبير، لكن ما يخفف من وطأة المفاجأة هو وجود عشرات الآلاف من الجنود المرتزقة الذين لا يحملون الجنسية الأمريكية وإنما جاءوا طمعاً في الحصول عليها، إضافة إلى آلاف من العاملين في شركات الحماية، وهؤلاء كلهم لا يدخلون في حسبة الخسائر.
لا شك أن ذلك كله قد أثر على المقاومة، إلى جانب إشكاليات أخرى معروفة مثل الغطاء السياسي، وعدم توفر الإجماع الوطني حولها؛ بل المطاردة من قبل الآخرين. وقد استمرت هذه الحال حتى وقعت حادثة الفلوجة الشهيرة نهاية شهر آذار الماضي عندما قتل أربعة أمريكيين وجرى التمثيل بجثثهم من قبل بعض الفتية الذين لا صلة لهم بالمجاهدين.
على خلفية هذه الحادثة والهجوم الشرس على مدينة الفلوجة، وكذلك ما جرى في مدينة الصدر، تجلّت فضيحة عام كامل من التعتيم الإعلامي على فعاليات المقاومة وانتهاكات الاحتلال لحقوق الإنسان العراقي، سيما وهي التي جاءت بعد تحول أسوأ في سياق التغطية الإعلامية حيث اضطرت "الجزيرة" ومعظم القنوات العربية الأخرى في الأسابيع الأخيرة إلى استخدام مصطلح قوات التحالف بدلاً من قوات الاحتلال.
في الفلوجة تبدت الفضيحة؛ ففيها تبدت ممارسات قوات الاحتلال البشعة، فيما ظهرت بسالة المقاومة وروعتها، سيما وهي التي جاءت بعد ما يمكن وصفه بثورة مدينة الصدر. وقد جاءت مطالب القوات الأمريكية بإخراج مراسلي "الجزيرة" وعلى رأسهم (أحمد منصور) من المدينة لتشكل ذروة الفضيحة التي تواصلت خلال عام كامل.
الآن يبتدئ سؤال المستقبل: وما إذا كان ما جرى إيذاناً بنهاية مسلسل التعتيم على المقاومة الراشدة مقابل التركيز على الأعمال الإشكالية، أم أن وضوح تأثير الإعلام على المقاومة والشارع العربي والإسلامي ومن ضمنه العراقي، إضافة إلى التأثير على الرأي العام الأمريكي والدولي، سيؤدي إلى مزيد من التشدد في المسألة؟!
ما يمكن قوله هنا هو أن اللعبة لن تكون بعد ملحمة الفلوجة هي ذاتها قبلها، فقد شبت المقاومة عن الطوق وباتت أكثر قبولاً وقوة، وسواء تواصلت مشاركة تيار الصدر فيها، أم توقفت مرحليًّا؛ فإنها قد غدت الرقم الصعب في المعادلة العراقية، مما لا يمكن لا للأمريكان ولا لأذنابهم أن يتجاهلوه بحال من الأحوال، الأمر الذي يؤكد أن مشروع الاحتلال في العراق قد دخل في مأزق حقيقي لا خلاف عليه.[/align]