حديث السقيفة وما به من غريب الكلام




قال أبو حيّان *1 علي بن محمد التوحيدي البغدادي: سَمرنا ليلةً عند القاضي أبي حامد أحمد*2 بن بِشر المرورّذي ببغداد، فتصرف في الحديث كل مُتَصرف، وكان غزير الرواية، لطيف الدراية، فجرى حديث السقيفة؛ فركب كلٌ مركباً، وقال قولاً، وعرّض بشيءٍ، ونزع الى فنٍّ.

فقال: هل فيكم من يحفظُ رسالة لأبي بكر الصديق، رضي الله عنه، الى علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه، وجواب علي عنها، ومبايعته إياه عقب تلك المناظرة؟ فقال الجماعة: لا والله، فقال: هي والله من بنات الحقائق، ومُخبَّآت الصناديق، ومُنذُ حفظتها ما رويتها إلا لأبي محمد المهلبي في وزارته، فكتبها عني بيده وقال: لا أعرف رسالةً أعقل منها ولا أبين، وإنها لتدل على عِلمٍ وحِلمٍ، وفصاحة ونباهةٍ، وبُعد غورٍ، وشدة غوص.

فقال له الغَبّاداني: أيها القاضي؛ فلو أتممت المِنّة علينا بروايتها؛ أسمِعْناها؛ فنحن أوعى لك من المُهَلبي، وأوجب ذِماماً عليك، فاندفع، وقال:

حدثنا عيسى بن دأب، قال: سمعت مولاي أبا عُبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بين المهاجرين والأنصار، بعد فتنةٍ كاد الشيطان بها، فدَفَع الله شرها، ويسّر خيرها، بلغ أبا بكر عن علي بن أبي طالب تلكؤ وشِماس3، وتهمم4 ونِفاس5، فكَرِه أن يتمادى الحال فتبدو العورة، وتشتعل الجمرة، وتتفرق ذات البين...

فدعاني (الحديث لأبي عبيدة) بحضرته في خلوةٍ ـ وكان عنده عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وحده ـ فقال: يا أبا عُبيدة؛ ما أيمن ناصيتك، وأبيَن الخير بين عينيك! طالما أعز الله بك الإسلام، وأصلح شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان المحوط، والمحل المغبوط؛ ولقد قال فيك في يوم مشهود ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة))، ولم تزل للدين مُلتجا، وللمؤمنين مُرتجى، ولأهلك ركناً، ولإخوانك ردءاً...

قد أردتك لأمرٍ خطره مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف، ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورِفقك، ولم تَجُب 6 حيته برقيتك، وقع اليأسُ، وأعطل البأس، واحتيج بعد ذلك الى ما هو أمرّ منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق، والله أسأل تمامه بك ونظامه على يديك، فتأتّ 7 له أبا عبيدة وتلطف فيه، وأنصح لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذه العصابة غير آلٍ جُهداً، ولا قالّ حمداً، والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصرك إن شاء الله.

امضِ الى علي، واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه مما فقدناه بالأمس ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكانه، وقل له : البحر مغرقَة ، والجو أكلف8، والليل أغدف9، والسماء جلواء10، والأرض صلعاء11، والصعود متعذر، والهبوط متعسّر، والحقُ عطوف

رؤوف، والباطل عنوف عسوف، والعجب قداحة الشر، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، والقحة ثقوب*12 العداوة؛ وهذا الشيطان مُتَّكئ على شِماله، مُتَحيّلٌ13 بيمينه، نافخٌ حِضنيه 14، ينتظر الشتات والفرقة، ويَدِبُ بين الأمة بالشحناء والعداوة، عِناداً لله عز وجل أولاً، ولآدم ثانياً، ولنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودينه ثالثاً، يوسوس بالفجور، ويُدلي بالغرور، ويُمنّي أهل الشرور، يوحي الى أوليائه زخرف القول غروراً بالباطل، دأباً له منذ كان على عهد أبينا آدم، وعادةً له منذ أهانه الله تعالى في سالف الدهر، لا مَنْجَى منه إلا بِعَضّ الناجذ15 على الحق، وغَض الطرف عن الباطل، ووطء هَامَةِ عدو الله بالأشدّ فالأشد، والآكد فالآكد، وإسلام النفس لله عز وجل في ابتغاء رضاه.

ولا بُد الآن من قولٍ ينفع إذ قد أضرّ السكوت، وخِيف غِبُّه؛ ولقد أرشدك من أفاء16 ضالتَك، وصافاك من أحيا مودّته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك.

ما هذا الذي تُسوّل لك نفسك ويُدوي17 به قلبُك، ويلتوي عليه رأيك، ويتخاوص18دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويَتَرَادُّ معه نفسُك، وتكثرُ معه صُعَداؤك، ولا يفيض به لسانك؟ أعُجمةٌ بعد إفصاح! أتلبيسٌ19 بعد إيضاح؟ أدِبنٌ غيرُ دينِ الله؟ أخَلَقٌ غيرُ خُلِقِ القرآن؟ أهدىً غيرُ هدى النبي صلى الله عليه وسلم! أمثلي تمشي له الضراء، وتَدِبُ له الخَمَر20! أم مثلك يَنقبض عليه الفضاء، ويُكسف في عينيه القمر؟ ما هذه القعقعة بالشنان21! وما هذه الوعوعة باللسان!

إنك والله جِدُّ عارفٍ باستجابتنا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا؛ هجرةً الى الله عز وجل، ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كن الصبا، وخِدر الغرارة، وعنفوان الشبيبة، غافلٌ عما يُشيب ويُريب، لا تعي ما يُراد ويُشاد، ولا تُحَصّل ما يُساق ويُقاد، سوى ما أنت جارٍ عليه الى غايتك التي إليها عُدِلَ بك، وعندها حُطّ رحلك، غير مجهول القدر، ولا مجحود الفضل؛ ونحن في أثناء ذلك نُعاني أحوالاً تُزيل الرواسي، ونقاسي أهوالاً تشيب النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيارها، نتجرع صآبها، ونشرج 22عيابها، ونحكم أساسها ونبرم أمراسها، والعيون تحدج بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشفار تُشحذ بالمكر، والأرض تَميد بالخوف، لا ننتظر عند المساء صباحاً، ولا عند الصباح مساءً، ولا ندفع في نَحر أمرٍ إلا بعد أن نحسوَ الموتَ دونه، ولا نبلغ مُراداً إلا بعد الإياس من الحياة، فادين في جميع ذلك فادين في جميع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأب والأم، والخال والعم، والمال والنشب، والسبد واللبد23، والهلة24 والبلة، بطيب أنفسٍ، وقرة أعيُن، ورُحب أعطان، وثبات عزائم، وصحة عقول، وطلاقة أوجه، وذلاقة ألسُن.

هذا مع خَفيّات أسرار، ومكنونات أخبار، كنت عنها غافلاً، ولولا سنك لم تكن عن شيء منها ناكلاً25، وكيف وفؤادك مشهوم26، وعودك معجوم!. والآن وقد بلغ الله بك، وأَنهَض الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علمٍ أقول ما تسمع، فارتقب زمانك، وقَلّص أردانك27، ودع التعسس والتجسس لمن لا يضلع28 لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا29؛ فالأمر غَضّ؛ والنفوس فيها مَضّ، وإنك أديم هذه الأمة، فلا تحلم30 لجاجاً، وسيفها العضب، فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب، فلا تحُل أُجاجا.

والله لقد سألتُ رسول الله الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر، فقال لي: يا أبا بكر؛ هو لمن يرغب عنه لا لمن يُجاحِش عليه31، ولمن يتضاءل عنه لا لمن يَتَنَفَج32 إليه، هو لِمن يُقال هو لك، لا لمن يقول هو لي.

ولقد شاورني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصِّهر، فذكر فتياناً من قريش، فقلت: أين أنتَ من عليّ! فقال صلى الله عليه وسلم: إني أكره لفاطمة مَيعة33 شبابه، وحداثة سنه. فقلت له: متى كَنَفتْهُ يدُك، ورعته عينُك، حفّت بهما البركة، وأُسبغت عليهما النعمة؛ مع كلام كثير خاطبته به؛ رغبةً فيك، وما كنتُ عرفتُ منك في ذلك لا حوجاء ولا لوجاء، فقلت ما قلتُ وأنا أرى مكان غيرك، وأجدُ رائحة سواك، وكنتُ إذ ذاك خيراً لك منك الآن لي.

ولئن كان عرّض بك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، فلم يكن مُعرضا عن غيرك؛ وإن كان قال فيك فما سكت عن سِوك؛ وإن تلجلجَ 34 في نفسك شيءٌ فهلمّ، فالحكم مرضيٌ، والصواب مسموع، والحق مُطاع.

ولقد نُقِل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الله عز وجل، وهو عن العصابة راضٍ، وعليها حَدِب، يسرّه ما سرها، ويسوءه ما ساءها، ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويُسخطه ما أسخطها.

أما تعلم أنه لم يدَع أحداً من أصحابه وأقاربه وسُجرائه 35، إلا أبانه بفضيلة، وخصّه بمزية، وأفرده بحالةٍ، لو أصفقت الأمةُ عليه لأجْلِها لكان عنده إيالتها وكفالتها36. أتظن أنه صلى الله عليه وسلم ترك الأمة سدىً بدداً؛ عباهل37 مباهل، طلاحى 38 مفتونة بالباطل، معنونة 39 عن الحق؛ لا رائد ولا ذائد، ولا ضابط ولا حائط، ولا ساقي ولا واقي، ولا هادي ولا حادي! كلا! والله ما اشتاق الى ربه، ولا سأله المصير الى رضوانه وقربه؛ إلا بعد أن ضرب المَدى وأوضح الهُدى، وأبان الصُوى40؛ وأمّن المسالك والمطارح؛ وسهّل المبارك والمهايع 41؛ وإلا بعد أن شدَخَ يافوخ 42 الشرك بإذن الله، وشَرَم وَجه النفاق لوجه الله، وجدع أنف الفتنة في ذات الله، وتَفَل في عين الشيطان بعون الله، وصَدَع بملء فيه ويَدِه بأمر الله عز وجل...

وبعدُ فهؤلاء المهاجرون والأنصارُ عندك؛ ومعك في بقعة واحدة؛ ودارٍ جامعة، إن استقالوني لك، وأشاروا عندي بك، فأنا واضعٌ يدي في يدك، وصائرٌ الى رأيهم فيك....

وإن تكن الأخرى فادخل فيما دخل فيه المسلمون؛ وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم، والمرشد لضالتهم، والرادع لغوايتهم؛ فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، والتناصر على الحق، ودعنا نقضي هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغل؛ ونلقى الله تعالى بقلوب سليمة من الضغن.

وبعد فالناس ثُمامةٌ43 فأرفق بهم؛ واحنُ عليهم، ولِنْ لهم، ولا تُشْق نفسك بنا خاصة منهم؛ واترك ناجم44 الحقد حصيداً؛ وطائر الشر واقعاً؛ وباب الفتنة مُغلقاً، فلا قال ولا قيل؛ ولا لوم ولا تعنيف، والله على ما نقول شهيد، وبما نحن عليه بصير.

قال أبو عبيدة: فلمّا تأهبتُ للنهوض قال عمر ـ رضي الله عنه: كُن لدى الباب هُنيهة، فلي معك دورٌ من القول، فوقفت وما أدري ما كان بعدي، إلا أنه لحقني بوجهٍ يُبدي تهللا، وقال لي: قُلْ لعلي: الرقاد محلمةٌ، والهوى مقحمة45، وما منا إلا له مقام معلوم، وحق مشاع أو مقسوم، ونبأٌ ظاهر أو مكتوم؛ وإن أَكيسَ الكيس من مَنَح الشارد تألُفاً، وقارب البعيد تَلطفاً، ووزن كل شيء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه، ولم يجعل فتره مكان شبره؛ ديناً كان أو دنيا؛ ضلالاً كان أو هدى.
ولا خير في علمٍ مُستعملٍ في جهل، ولا خير في معرفةٍ مشوبةٍ بنُكر. ولسنا كجِلدة رُفغ46 البعير بين العِجان والذَنَب. وكل صالٍ فبناره؛ وكل سيلٍ فإلى قراره. وما كان سكوت هذه العصابة الى هذه الغاية لعي، ولا كلامها اليوم لِفَرقٍ أو رِفق. وقد جدع الله بمحمد صلى الله عليه وسلم أنف كل ذي كِبر، وقصم ظهر كل جبار، وقطع لسان كل كذوب، فماذا بعد الحق إلا الظلال!

ما هذه الخنزوانة47 التي في فَرَاش48 رأسك! ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك! ما هذه القذاة التي أعشت ناظرك! وما هذه الوحرة 49 التي أكلت شراسيفك50! وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر، واشتملت عليه بالشحناء والنكر!

ولسنا في كسروية كسرى، ولا في قيصرية قيصر! تأمل لإخوان فارس وأبناء الأصفر، قد جعلهم الله جَرَزاً لسيوفنا ودريئة لرماحنا، ومرمى لطُعاننا، وتَبَعاً لسلطاننا؛ بل نحن في نور نبوةٍ، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمة، وعنوان نعمة، وظل عصمة، بين أمة مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الرتق والفتق، لها من الله قلبٌ أبي، وساعدٍ قوي، ويدٌ ناصرة، وعين ناظرة.
أتظن يا علي أن أبا بكرٍ وثب على هذا الأمر مُفتاتاً على الأمة، خادعاً لها ومُتسلطاً عليها! أتُراه حلّ عقودها، وأحال عقولها! أتراه جعل نهارها ليلاً، ووزنها كيلاً، ويقظتها رُقاداً، وصلاحها فساداً! لا والله! سلا عنها فوَلهت له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه؛ واشمأز دونها فاشتملت عليه، حَبوَةٌ حباه الله بها، وعاقبةٌ بلغه الله إليها، والله أعلم بخلقه، وأرأفُ بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة.

وإنك بحيث لا يُجهل موضعك من بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ولا يُجحد حقك فيما آتاك الله؛ لكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك، وقُربى أمّس من قرباك، وسن أعلى من سنك، وشيبة أروع من شيبتك، وسيادة لها أصل في الجاهلية وفرع في الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة، ولا تُذكر فيها في مقدمة ولا ساقة51، ولا تضربُ فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازل ولا هُبَع52، ولم يزل أبو بكر حبة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلاقة نفسه، وعيبة سره، ومفزع رأيه ومشورته، وراحة كفه، ومرمق طرفه، وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار؛ شهرته مغنية عن الدليل عليه.

ولعمري إنك أقرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابةً، ولكنه أقرب منك قربة53، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح.

وهذا فرقٌ عرفه المؤمنون، ولذلك صاروا إليه أجمعون. ومهما شككت في ذلك، فلا تشك في أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعة. فادخل فيما هو خير لك اليوم، وأنفعُ لك غداً، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك، فإن يك في الأمد طول، وفي الأجل فسحة، فستأكله مريئاً أو غير مريء، وستشربه هنيئاً أو غير هنيء، حين لا رادّ لقولك إلا من كان آيساً منك، ولا تابع لك إلا من كان طامعاً فيك، يَمُضّ54 إهابك، ويعرك55 أديمك، ويزرى على هديك، هنالك تقرع السن من ندم، وتجرع السن من ندم، وتجرع الماء ممزوجاً بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك ودارج قوتك، فتود لو سقيت بالكأس التي أبيتها، ورددت الى حالتك التي استغويتها. ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعاقبة هو المرجو لسرّائها وضرائها، وهو الولي الحميد، الغفور الودود.

قال أبو عُبيدة: فتمشيتُ مُتزملاً، أنوء كأنما أخطو على رأسي، فرقا من الفرقة، وشفقاً على الأمة حتى وصلت الى علي رضي الله عنه في خلاء، فابتثثته بثي كله، وبرئت إليه منه، ورفقت به؛ فلما سمعها ووعاها، وسرت في مفاصله حمياها قال: حلّت معلوطة56، وولّت مخروطة57، وأنشأ يقول:
إحدى لياليكِ فهيسي هيسي .... لا تنعمي الليلة بالتعريس
نعم يا أبا عُبيدة، أكلُّ هذا في أنفس القوم، ويحسّون به، ويضطغنون عليه!
قال أبو عبيدة: فقلت: لا جواب لك عندي، إنما أنا قاضٍ حق الدين، وراتق فتق المسلمين، وسادّ ثلمة الأمة، يعلم الله ذلك من جلجلان قلبي وقرارة نفسي.

فقال علي رضي الله عنه: والله ما كان قعودي في كِسرِ هذا البيت قصداً للخلاف، ولا إنكاراً للمعروف، ولا زراية على مسلم؛ بل لما وقذني به رسول الله صلى الله عليه وسلم من فراقه، وأودعني من الحزن لفقده. وذلك أنني لم أشهد بعده مشهداً إلا جدد عليّ حزناً، وذكرني شجناً، وإن الشوق الى اللحاق به كافٍ عن الطمع في غيره، وقد عكفتُ على عهد الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرق؛ رجاء ثواب مُعَدٍ لمن أخلص لله عمله، وأسلم لعلمه ومشيئته، وأمره ونهيه، على أني ما علمت أن التظاهر علي واقع، ولا عن الحق الذي سيق إلي دافع.

وإذ قد أُفعم الوادي بي، وحُشد النادي من أجلي، فلا مرحباً بما ساء أحداً من المسلمين وسَرّني. وفي النفس كلامٌ لولا سابقُ عقدٍ وسالفُ عهدٍ، أشفيتُ غيظي بخنصري وبنصري؛ وخضت لجته بأخمصي ومفرقي، ولكني ملجمٌ الى أن القي الله ربي، وعنده أحتسب ما نزل بي. وإني غادٍ الى جماعتكم، فمبايع صاحبكم، صابرٌ على ما ساءني وسرّكم، ليقضي الله أمراً كان مفعولا.

قال أبو عبيدة: فعدتُ الى أبي بكر رضي الله عنه، فقصصتُ عليه القول على غَرّه، ولم أختزل شيئاً من حلوه ومُرّه؛ وبكرت الى المسجد، فلما كان صباح يومئذٍ إذا عليٌ يخترق الجماعة الى أبي بكر رضي الله عنهما، فبايعه، وقال خيراً، ووصف جميلاً، وجلس زميتاً، واستأذن للقيام، فمضى وتبعه عمر مُكْرِماً له، مستثيراً لما عنده...

وقام أبو بكر إليه فأخذ بيده وقال: إن عصابةً أنت منها يا أبا الحسن لمعصومة، وإن أمةً أنت فيها لمرحومة، ولقد أصبحتَ عزيزاً علينا، كريماً لدينا، نخافُ الله إذا سخِطتَ، ونرجوه إذا رضيتَ، ولولا أني شُدهتُ لما أجبتُ الى ما دُعيت إليه، ولكني خفتُ الفُرقة، واستئثار الأنصار بالأمر على قريش، وأُعجلتُ عن حضورك ومشاورتك، ولو كنتُ حاضراً لبايعتك ولم أعدل بك، ولقد حطّ الله عن ظهرك ما أثقلَ كاهلي به، وما أسد من يناظر الله إليه بالكفاية؛ وإنا إليك لمحتاجون، وبفضلك عالمون، وإلى رأيك وهديك في جميع الأحوال راغبون، وعلى حمايتك وحفيظتك معولون. ثم انصرف وتركه مع عمر؛ فالتفت عليٌ الى عمر فقال:

والله ما قعدتُ عن صاحبكم كارهاً، ولا أتيته فَرَقا، ولا أقول ما أقول تَعَلّة. وإني لأعرف منتهى طرفي، ومحط قدمي، ومنزع قوسي، وموقع سهمي؛ ولكن قد أزمت على فأسي؛ ثقةً بربي في الدنيا والآخرة.

فقال له عمر رضي الله عنه: كفكف غربك، واستوقف سربك، ودع العصي بلحائها، والدلاء على رشائها، فإنا من خلفها أُكل بالجوى، ولو شئتُ لقلتُ على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت، وزعمتَ أنك قعدتَ في كِنّ بيتك لما وَقَذَك به رسول الله صلى الله عليه وسلم من فَقْدِه ولم يَقِذْ غيرك! بل مصابه أعظم وأعم من ذلك، وإن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها، ولا يؤمن كيدُ الشيطان في بقائها، هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا في صبح نهار لم نَلْتَق في مسائه.

وزعمتَ أن الشوق الى اللحاق به كافٍ عن الطمع في غيره! فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه، ومؤازرة أوليائه، ومعاونتهم... وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه؛ فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون به ويرشدون عليه...
وزعمتَ أنك لم تعلم أن التظاهر واقعٌ عليك، أيُّ حقٍ لُطَّ 60دونك! قد سمعتَ وعلمتَ ما قال الأنصار بالأمس سراً وجهراً، وتقلبتَ عليه بَطناً وظهراً، فهل ذكرتك أو أشادت بك، أو وجدتَ رضاهم عنك؟ هل قال أحدهم بلسانه: إنك تصلح لهذا الأمر، أو أومأ بعينه، أو هَمَ في نفسه؟ أتظن أن الناس ضلوا من أجلك، وعادوا كفاراً زهداً فيك، وباعوا الله تحاملاً عليك؟ لا والله! لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجي في نفرٍ من أصحابه، ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجي وقالوا: إن علياً ينتظر الإمامة ويزعم أنه أولى بها من غيره، ويَنْكر على من يعقد الخلافة؛ فأنكرتُ عليهم، ورددت القولَ في نحرهم حيث قالوا: إنه ينتظر الوحي، ويتوكف مناجاة الملك.

فقلت: ذاك أمرٌ طواه الله بعد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أكان الأمر معقوداً بأنشوطة، أو مشدوداً بأطراف ليطة 62؟ كلا! والله لا عجماء بحمد الله إلا أفصحت، ولا شوكاء إلا وقد تفتحت.

ومن أعجب شأنك قولك: (( ولولا سالف عهدٍ وسابق عقد، لشفيت غيظي))! وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم بيدٍ أو بلسان؟ تلك جاهلية، وقد استأصل الله شأفتها، واقتلع جرثومتها، وهوّر ليلها، وغور سيلها، وأبدل منها الروح والريحان، والهدي والبرهان. وزعمت أنك ملجم؛ ولعمري إن من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه، وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراه.

وأما قولك: إني لأعرف مَنزع قوسي، فإذا عرفت منزع قوسك عرف غيرك مضرب سيفه ومطعن رمحه؛ وأما ما تزعمه من الأمر الذي جعله رسول الله لك فتخلفت إعذاراً الى الله والى العارفة من المسلمين، فلو عرفه المسلمون لجنحوا إليه، وأصفقوا عليه، وما كان الله ليجمعهم على العمى، ولا ليضربهم بالضلال بعد الهدى، ولو كان لرسول الله فيك رأيٌ وعليك عزم، ثم بعثه الله، فرأى اجتماع أمته على أبي بكر لما سفه آراءهم، ولا ضلل أحلامهم، ولا آثرك عليهم، ولا أرضاك بسخطهم، ولأمرك باتباعهم والدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم.

فقال عليٌ رضي الله عنه: مهلاً يا أبا حفص، والله ما بذلتُ ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغي حِوَلاً عنه: وإنّ أخسَرَ الناس صَفْقَةً عند الله مَن آثر النفاق، واحتضن الشقاق، وفي الله خَلَف من كل فائت، وعِوَضٌ من كل ذاهب، وسَلوَةٌ عن كل حادث، وعليه التوكل في جميع الحوادث. ارجع يا أبا حفص الى مجلسك ناقِع القلب مبرود الغليل، فسيح اللبان، فصيح اللسان؛ فليس وراء ما سمعتَ وقلتُ إلا ما يشد الأزر، ويحط الوِزر، ويضع الإصر، ويجمع الألفة بمشيئة الله وحسن توفيقه...

قال أبو عبيدة: فانصرف عليٌ وعمر رضي الله عنهما، وهذا أصعب ما مر علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هوامش
ــــــــــــــــــــ
*1 أبو حيان: فيلسوف متصوّف، ولد في نيسابور، وأقام مدة ببغداد، وانتقل الى الري فصحب ابن العميد والصاحب بن عباد، توفي نحو سنة 400 هـ
*2ـ القاضي أبي حامد: من أكابر الفقهاء أصحاب الشافعي، أقام زمناً بالبصرة، ثم رحل الى بغداد، توفي سنة 362هـ
*3ـ شِماس: معاندة ومعاداة...*4ـ تهمم الشيء: طلبه *5ـ نفاس: الرغبة في الحصول على الشيء بالمبارزة.*6_ تجب: تقطع*7ـ تأت: تهيأ8 ـ أكلف: أسود تعلوه حمرة*9ـ أغدف: مظلم *10ـ جلواء: مصحية *11ـ صلعاء: خالية لا شجر فيها *12ـ ثقوب: ما أشعل به النار*13ـ متحيل: محتال*14ـ نافخ حضنيه أي مستعد للشر*15ـ عض عليه بالناجذ: تمسك به، *16ـ أفاء: أرجَع*17ـ يُدوي: إذا دار في مكانه*18ـ يتخاوص: يغض عن بصره*19ـ التلبيس: التخليط *20ـ الضراء: الشجر الملتف بالوادي، والخمر: ما وراءك من شجر، وهو مثل يضرب لمن يخدع صاحبه*21ـ الشنان: جمع شن وهي القربة الصغيرة العتيقة، والقعقعة الصوت، يريد أنه لا يُخوف بمثل هذا*22ـ نشرج عيابها: ضم عراها الى بعض*23ـ السبد واللبد: الشعر والصوف (كناية عن أنهم يفدونه بكل ما يملكون)*24ـ الهلة: الهلة من الفرح *25ـ ناكلا: ناكصا ومتخاذلا*26ـ مشهوم: ذكي متوقد*27ـ أردانك: أكمام*28ـ ضلع في مشيته: عرج*29ـ عطا: مد عنقه لك*30ـ حلم الجلد: فسد وانثقب. *31ـ يجاحش: يتدافع عليه ويطلبه*32ـ يتنفج: يتطلع بشغف. *33ـ ميعة الشباب: أوله*34ـ تلجلج: تردد*35ـ سجرائه: أصفيائه *36ـ أصفقوا: أطبقوا؛ إيالة : ولاية *37ـ عباهل مباهل: مهملة*38ـ الطلاحى: الكالّة المعيية *39ـ معنونة: من عنان الفرس أي محبوسة ومقيدة*40ـ الصوى: الأعلام*41ـ المهايع: الطرق*42ـ يافوخ: ملتقى عظم مقدم الرأس ومؤخره*43ـ ثمامة: النبتة الضعيفة *44ـ ناجم: طالع وظاهر*45ـ مقحمة: رمي النفس دون تمهل. *46ـ رفغ: أصل بطن الفخذ من الداخل *47ـ خنزوانة: الكِبر *48ـ فراش رأسك: رقائق العظام *49ـ الوحرة: العداوة *50ـ الشرسوف: الطرف المشرف على البطن من الضلع*51ـ ساقة الجيش: مؤخرته *52ـ البازل: البعير بعمر 9سنوات والهبع الفصيل (الحوار بعمر شهور). *53ـ قربة: وسيلة*54ـ يمض إهابك: يُحرق جلدك*55ـ يُعرك: يدلك56ـ معلوطة: مقتحمة57ـ مخروطة مسرعة. 58ـ هيسي: سيري كيفما تشائين *59ـ أماثيلك: جمع أمثولة، وهي إذا أنشد بيتاً ثم تلاه بآخر فهي أمثولة*60ـ لط: جحد*61ـ يتوكف: ينتظر*62ـ ليطة: قشرة
ــــــــــــــــــــ
هذا الحديث مذكور في: صبح الأعشى؛ ونهاية الأرب ، كما ذكره ابن أبي حديد