لا نحب اسمكم أيها العرب !
يتطير بعضهم من ذكر مصطلح الوطن العربي، أو الهوية العربية، متذرعا بأن في تلك البقعة عروق غيركم أيها العرب .. و تنطلي تلك الاعتراضات على التسمية، حتى على بعض المثقفين العرب ، فيقولون : فعلا نحن نستفز هؤلاء بذكر العروبة و جعلها مقترنة باسم المكان ..
ماذا نسمي بلادنا؟ أنسميها بلاد العرب و الكرد ونسرد كل مجموعة اثنية حتى يكون الاسم واقعياً؟ وفي كل الأشياء فان الشيء الأكثر هو من يحمل الاسم، فكيس الحنطة الذي به حبات شعير أو حتى عدس، حتى لا يفهم بأن الشعير أرخص من الحنطة .. فانه سيبقى كيس حنطة .. ولن يذكره أحد باسم كيس الحنطة الذي به حبات شعير وعدس وزيوان و بعض الحصى و اللؤلؤ !
ثم ألا يحق للعرب أن يحملوا اسم تلك المنطقة، فبغض النظر على أنهم الأكثرية، لكنهم الفاتحين لها و الصابغين لها بصبغة حضارية موحدة، من دين و أدب و أحلام و آلام ..
ألم تأخذ أمريكا ك ( قارة ) اسمها من اسم ( أمريكو فسبوشي) .. وألم تأخذ كولمبيا اسمها من ( كولومبس) .. لم نسمع أحد يحتج على تلك المسألة ..
لقد حاول بعضهم بقصد خبيث أن يهمش مسألة القومية، أو حتى يلغيها، بحجة نتانة الدعوة لها. رغم أن القومية العربية لم تكن قومية شوفينية في أي عهد، بل كانت منفتحة على كل القوميات وتفاعلت معها آخذة من غيرها و معطية لها .. رغم كل ذلك، فان من يحرم ذكر القومية مستندا الى الآية الكريمة { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } الحجرات 13
نعم ان الأكرم عند الله هو الأتقى .. وأيضا موضوع التعارف ، يبلغ درجة هامة، في كل شيء .. فنحن عندما نقول (عرب) ليس إعلانا بالحرب على العالم، بل لنعرف غيرنا بأننا عرب .. فلا يعقل أن يحمل كل سكان العالم نفس الاسم، حتى لو اعتنقوا كلهم دين الإسلام .. فلا بد من التعريف بالمنطقة واللغة والتاريخ ، حتى يسهل التعامل مع تلك العينة من أبناء الأرض .
ان المقاصد الخبيثة التي يطلقها بعضهم عن قصد ، ويرددها بعض العرب عن حسن نية .. ترتبط مع نشاط فكري آخر، يسفه من ماضي العرب، وقدرتهم على الإبداع .. فعندما يتكلم عن الطب يقول الرازي و أصله من كذا وابن سينا و أصله من كذا و الفارابي و الغزالي والبخاري .. ولا يحاول ذكر عربي في أي مجال ، ليوصل لك رسالة بالتالي ، بأن أهميتك كعربي ، جاء بها رفد هؤلاء غير العرب بالإبداعات !
لقد تناسى هؤلاء بأن من فجر إبداعات غير العرب، هم العرب بحملهم للرسالة وإداراتهم العادلة. كما أن هذه الأمة الراهنة هي وريثة حضارات وادي النيل والعراق واليمن و شواطئ المتوسط و الأطلسي .. ولا يستطيع أحد بالكرة الأرضية أن يزعم أنه وريث تلك الحضارات العملاقة غير العرب ..
ان القضية أكثر عمقا من الاعتراض على الاسم، بالقدر الذي هو اعتراض على اللغة التي تفسر القرآن .. ويعلم أصحاب تلك الدعوات أغراضهم جيدا .. فقد حاولوا ببداية القرن العشرين استبدال الحروف العربية بلاتينية أسوة بما حصل في تركيا .. ثم تبعوها بدعوات التحدث و الكتابة باللهجة المحلية، ولكنهم فشلوا، وستذهب كل محاولاتهم بالفشل، لأن الله تعالى قد طمأننا بأنه الضامن لبقاء هويتنا .. اذ قال { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الحجر 9 .
و قال تعالى أيضا { وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } البقرة 143
وحتى نكون شهداء ، يعني سيكون حضورنا مستمرا الى يوم القيامة، لنشهد على الناس، فلن نندثر كأمة و لن يندثر دورنا في حمل الرسالة، وتفسير ما قد يصعب على أبناء غير العرب تفسيره من القرآن ..