آل كابوني

كنت مغرماً في بداية شبابي أن أشاهد أفلام (رعاة البقر ـ الكابوي)، وكان كثيراً من الأفلام يزج آل كابوني في سيناريو الفيلم، حيث يجبرون الأهالي على دفع (خاوات) لهم، أو أن يعرضوا أنفسهم للقتل والفناء. وكل ذلك تمهيداً حتى يأتي البطل ويخلص الأهالي منهم.

ذكرني بذلك، المشاهد التي أراها في البلاد العربية، وبالذات (سوريا والعراق)، ففي سوريا مثلاً كان هناك (1008) فصيل مسلح يُقاتل النظام، ولا يربطه أي رابط مع الفصائل الأخرى، ويعتمد على تمويله مما ينهب من المواطنين وما يأتيه من الدول التي أوكلت له تلك المهمة...

ومما أكدّ في نفسي ذلك التصور، هو أنه كانت مدن وقرى (حوران) عندما يتم اتفاق لوقف إطلاق النار، أن يستغرق تنفيذه عدة أسابيع، إذ كنا (بالرمثا) نسمع إطلاق النار باستمرار. يعني أن كل (كوبونة: أو إمارة في قرية أو مدينة) لم يكن يربطها رابط مع الآخرين...

إن منبع ذلك (التكتيك) آتٍ من نفس المصدر، الذي ساد فيه قبل قرون في أمريكا (خاوات وإتاوات آل كابوني).

ويبدو أن هذا النهج تم تطويره بعد حرب أفغانستان. وكانت القصة بحذافيرها تتلخص في أن الولايات المتحدة تعاقدت مع العرب وبالأخص (مصر والسعودية) لطرد الشيوعيين السوفييت من أفغانستان، وتعهدت بدفع نصف تكاليف الحرب، على أن تدفع السعودية النصف الآخر...

وبعد أن تم طرد الخبراء السوفييت من مصر، تم الاقتراح أن تفرغ مصر مخازنها من السلاح السوفييتي وتعطيه للثوّار!، ويأتي القادة المنتظرون من أفغانستان ويحلفوا أمام الكعبة في السعودية أن لا يخونوا العهد، وبالمقابل يتم تنظيف البلدان العربية من الشباب المتحمسين لعودة شرع الله وإرسالهم للقتال في أفغانستان!

وعندما أرادت الولايات المتحدة التملص من التزامها المالي، اقترح عليهم مدير المخابرات الفرنسية الذي كان يزور الولايات المتحدة ـ صدفة ـ ورأى الحيرة على وجوههم، سألهم: أين تذهبون بالمخدرات التي تصادرونها والآتية من (كولومبيا وأمريكا اللاتينية)؟ أجابوا: نحرقها بالأفران بالطبع!، قال: لا تحرقوها، بل ابعثوها لأفغانستان، تعوض لكم التمويل!

وبالفعل، هذا ما عملوه، وكانت النتيجة أن الجنود السوفييت أخذوا يتعاطون المخدرات، لا بل ويتاجروا بها، ويحضرونها لروسيا، ثم يُصدر قسم منها الى أوروبا!... أما الأفغان فقد قلعوا بساتينهم وزرعوا الحشيش مكانه، وتعاونوا مع أمراء الحرب على اقتسام الناتج وهؤلاء رسموا حدوداً لإماراتهم ووضعوا عليها الحواجز... هكذا تخلصت أمريكا من التزامها المالي، وخربت مصر وخلصت السعودية وكثير من البلدان من الخلايا النائمة من السلفيين...

واليوم، ما نشهده ما هو إلا نُسخاً متطورة، فآل كابوني في الموصل غيرهم في تكريت وأربيل ودرعا وطفس وإدلب الخ.

وهناك من يقول أن الدول التي ليست بها حروب، تقتسم المقاطعات بشكل ما، فرخص الاستيراد والصناعة والزراعة حتى تسنم الوظائف العليا وقيادة إدارات الجيش والشرطة وحتى القضاء لا تختلف كثيراً عن فلسفة (آل كابوني).