• منقول من أنا المسلم
    الكاتب رضا أحمد صمدي


    بسم الله ... والحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه .
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وردتني الأسئلة التالية من بعض الشباب الفاعل في مصر ورأيت أنها من الأهمية بمكان ، وتبيانُ ما يشكل على الشباب في موضوع الانقلاب والمظاهرات والإخوان مهمٌّ
    حتى لا يُلبّس أعداءُ الدين على الناس قضاياهم . وهذا أوان البيان :

    هل يمكن فعلا عودة مرسي ؟

    الاحتمالات في عودة مرسي ثلاثة لا رابع لها :
    الأول : احتمال عودته راجح .
    الثاني : احتمال عودته مرجوح .
    الثالث : تساوي الاحتمالين .
    فلو تساوى الاحتمالان فتأييد عودته متعين لأن إيجاد غيره ممن يستطيع أن يقوم بالأمر ويكون من ورائه جماعة صامدة صابرة متعذر في غير مرسي
    فكانت المغامرةُ بعدم اشتراط عودته حال تساوي الاحتمالين ترجيحاً بلا مرجح .
    أما احتمال أن عودته مرجوحة فبعد التسليم بوجود القرائن والأدلة على مرجوحية عودته فتكون مُسوغات التظاهر لحماية مكاسب الثورة والدفاع عن حقوق
    المستضعفين آكد ، والحاصل أن عودة مرسي توفر علينا اختيار القيادة التي تستطيع تجميع الناس ويسوّغ لنا حشد الجموع ضد الحكم العسكري الغاشم .
    أما في احتمال عودة مرسي فجميع المسلمين مطالبون بالاجتهاد الشديد في مواجهة الظلم العسكري لاسترجاع الحقوق المغتصبة من المسلمين والأبرياء .
    أما أدلة وقرائن وإرهاصات عودة مرسي فهي عندي تزيد على العشرات أكتفي منها بالتالي :
    منها أن الرئيس مرسي وجماعته مناصرون للحق والشرع وراغبون في إحياء معالمه ومثل هؤلاء وعد الله بنصرهم.
    ومنها أن الرئيس مرسي ومن معه من حفظة كتاب الله وأَجْدِر بهؤلاء أن يكونوا موعودين بالنصر والتمكين .
    ومنها أن أغلب من ينصر الرئيس مرسي من العلماء والصالحين والدعاة وحملة الشريعة وأكثر بل كل من ينصر العسكر من المقدوحين في دينهم وعدالتهم .
    ومنها أن الظلمة من الأثرياء والفلول والعسكر جندوا إمكانياتهم لدحر المعارضين ولكنهم يتنامون ويزدادون مع القتل والاعتقال والتعذيب والمطاردة .
    ومنها أن تحالف دعم الشرعية يزداد قوة يوما بعد يوم بانضمام المزيد إليهم والعسكر يزداد تفرقهم واختلافهم بعد كل يوم .
    ومنها أن المطالبين بحقوقهم ضد العسكر منهم أولياء القتلى وأقرباؤهم وأقرباء الجرحى والمعتقلين والمطاردين دع عنك المراقبين لهذا الظلم وهم غير راضين
    فهؤلاء يمكن أن يكون أغلب الشعب المصري ومثل هؤلاء لن يتركوا مطالبهم بسهولة .
    ومنها أن جرائم العسكر طالت الأعراض ( النساء ) والأطفال وأملاك الأبرياء ومثل هذه الجرائم لا يتركها أهلوها تمر مرور الكرام .
    ومنها أن الدول العربية التي وعدت بمساعدة الانقلاب انكفأت على نفسها .
    ومنها أن الانقلاب غير معترف به من أغلب دول العالم .
    ومنها أن أي اقتراح غير عودة الرئيس مرسي معناه السكوت على كل تلك الجرائم ومحوها من التاريخ وهذا مستحيل .
    ومنها أن الجماعات الجهادية لها دور في إضعاف العسكر بعملياتهم المباركة .
    ومنها أن شعار رابعة وقضيتها باتت قضية دولية يتمالأ الناس في العالم على نصرتها .
    ومنها أن صمود الرئيس مرسي نادر ومُلهم ومثل هؤلاء تتحفز لهم الثورات .
    ومنها أن التحالف استطاع أن يكون كوادر ماهرة في إدارة الأزمة ( وهذا من أهم الأسباب في نظري ) .
    ومنها أن العسكر فيه إخوان مسلمون وهؤلاء سيكون لهم دور ما في إعادة مرسي .
    ومنها أن العسكر لا يأمن بعضهم بعضا ، فقد باع العسكر مبارك ، وباع السيسي العسكر ، وسيجد السيسي من يبيعه بأبخس الأثمان .
    ومنها أن الإعلام بدأ يعرض سوء الأحوال ، وهذه إشارة إلى بداية التذمر من الأوضاع التي لم تنصلح .
    ومنها تواتر الرؤى بعودة مرسي .
    ومنها استبشار الصالحين بعودته وهذه أمارات يجعلها الله لمن يشاء من عباده .
    ومن حيث المشاهد القدرية فقد تحقق المقصود من الابتلاء بهذا الانقلاب وهو التمايز وحصول الدرس من التمييع .
    ومن المشاهد التاريخية أنه قد حصلت انقلابات ومع المظاهرات عاد المنقلب عليهم ولو بعد حين ، وخير شاهد رئيس فنزويلا
    الذي انقلب عليه الجيش فأعاده الشعب في أسابيع .


    إن كانت الإجابة بلا إذن لماذا يرفعها الإخوان والتحالف كمطلب ؟
    و هل رفع سقف المطالب مفيد في المعركة حاليا ؟

    أما لماذا يرفع التحالف مطلب عودة مرسي أو سقف المطالب حاليا فلأنه تكتيك استراتيجي مهم لا خيار ولا بديل عنه كما أسلفنا ، ولو كان المطلب هو عودة الشرعية دون مرسي
    فسيكون مطلبا ضعيفا لا أساس له ، ومن كان مطلبه عودة الشرعية وعودة الرئيس فمبدؤه متناسق ومفيد للرئيس مرسي بلا ريب .
    ورفع سقف المطالب للمحافظة على أكبر قدر من المكاسب والحلول ...
    ثم اعلم أن عودة الشرعية ومرسي هي أقل المطالب وليس أكبرها ، فهناك عقبات كئود أمام هذه المطالب مثل تنقية القضاء المصري والداخلية من الفلول ثم محاكمة الانقلاب ثم
    محاكمة المسئولين عن المذابح وقتل المتظاهرين في كل المراحل الانتقالية ومتابعة المسئولين عن إثارة أزمات الوقود والبلطجية وغير ذلك من أسباب الفوضى ، ولا ريب أن كل
    أولئك لا يمكن أن يحصل دون عودة الشرعية ، والتفريط فيها تفريط في كل هذه المطالبات ، والذي يتشدق باستحالة عودة مرسي وأنه لا بد من تخفيض سقف المطالب موافق
    ضمنا على إهدار دماء الشهداء وضياع حقوق المعذبين والمعتقلين بل إن خفص سقف المطالب لن يتحقق أصلا دون الموافقة على شروط أهمها حماية المجرمين من الملاحقة !
    ثم العجب لا ينقضي من أولئك الذين ما زالوا يحسنون الظن بالانقلابيين، ويعتقدون أن خفص سقف المطالب سيحلحل القضية ، وكأن التحالف هم من يعوق دون أي حل ؟
    والواقع أن من أهم الأمور التي تؤدي إلى تسرب اليأس إلى قلوب المتظاهرين وتجعلهم يفرطون في حقوقهم وحقوق إخوانهم الشهداء هو سلمية المظاهرات وعدم وجود تصعيد
    يتناسب مع المطالب . كما أن هناك تناقض قانوني وأخلاقي في مطالب التحالف ، فالمطالبة بعودة الشرعية تقتضي بالضرورة محاكمة هؤلاء الانقلابيين ومحاكمة القتلة ومحاكمة
    المسئولين عن فض الاعتصام في رابعة وغيرها ، وهذا معناه أن تعود كل المؤسسات القضائية والتنفيذية والتشريعية القهقرى وهو ما يتناقض ويقلب الأمور رأس على عقب
    بالنسبة للانقلابيين ، ثم إن سلمية المظاهرات وعدم التصعيد معناه المواءمة مع النهج الديمقراطي في التعبير بالرأي فين حين أن الشرعية الديمقراطية منقوضة ومهدرة ،
    فناسب أن يتمسك التحالف بالشرعية الثورية وهي تجيز القفز على السلمية للضغط والتصعيد بما هو أعلى من التظاهر وأقوى من مجرد الاعتصام .

    طيب ما هي الحلول المتاحة لدفع صولة العسكر الذي يعد أكبر عقبة في طريق تحكيم شرع الله في هذه البلاد ؟ هل المتاح هو القتال حتى التطهير وما نسب حصول ذلك المسار ؟ أم أن المتاح هو خروج السيسي من المشهد وبعده مرسي بطريقة غير مهينة مع ضمان خروج انتخابات برلمانية نزيهة يكسب فيها الاسلاميين لتبدأ جولة برلمانية جديدة تعمل على تقيييد العسكر دستوريا .. ثم الوصل للسلطة مرة أخرى حكومة ورئاسة فيما بعد ؟

    يجب أن تستحضر في البداية أخي الكريم أن الذي يفكر في مثل هذه الحلول ساذج لأبعد الحدود ، لأن المطالبات الشعبية التي نراها الآن تستجدي الحل وتستعطف الانقلابيين النظر
    إليها بعين الاعتبار ، في حين أنها تطلب بالضرورة أن ينقلب الانقلابيين على أنفسهم ويقتلوا أنفسهم بأيديهم !!! فأي حلول أخرى نزعم أن متاحة ستكون في الحقيقة منحة من
    الانقلابيين ، والثورات لا تستجدي حقوقها من الظلمة والطغاة ، والشعوب لا تسأل حقوقها من الحكام بل تفرضها عليهم فرضا .
    وأنا لا ينقضي عجبي مما يقول إن الأفضل عدم المطالبة بعودة مرسي ريثما نقضي على العسكر ثمن نفكر بعد ذلك من الذي سيتولى الأمور !!!
    هل نلعب مع العسكر لعبة الاستغماية ؟؟؟
    إنها مواجهة خلفت أكثر من ثلاثين ألف ما بين قتيل وجريح ومعتقل ومطارد ، وهناك شعب تعداده ثمانون مليون يرزح تحت الاحتلال برعاية الجيش المصري ، ومقدرات هذا
    الشعب وإرادته صارت على محك أكثر تحديا منه في عصر عبد الناصر والسادات ومبارك ! ففي تلك العصور كانت مصر تتعامل مع أمريكا وإسرائيل بندية ، أما الآن فهناك
    علاقة وطيدة وشبكة مصالح معلنة لا يمكن أن تزول مع وجود هذه المؤسسة العسكرية الخائنة .
    إن أي كلام عن سلمية المظاهرات هو استخفاف بعقول الشعب وببدهيات الثورة التي يزعمها كل متناول للشأن المصري ، ونحن لا نعترض على نفس المظاهرات ولكن نعترض
    على كونها سلمية ليست لها قوة تحميها ، وليس لها تصعيد يحلق بها إلى سماء المطالب العادلة ...
    والثورة السورية احتاجت سنتين مع عشرات الآلآف من القتلى حتى تقتنع بضرورة تسليحها ... فسلميتها لم تحرك الأمم المتحدة ولا الشعوب المحبة للسلام ! بل حتى تسليح
    الثورة السورية لم يكن عقبة أمام تمالؤ المجتمع الدولي على تجريم نظام الأسد ، فتبين أن تسليح الثورات في حد ذاته ليس مبدأ متفقا على خطئه ، كما أن سلمية المظاهرات ليس
    مبدأ متفقا على صوابه ، وكما أنه ليس منتهى آمالنا عودة مرسي فإنه لن يكون منتهى طاقتنا حشد المظاهرات السلمية لتحريك عداد القتلى والجرحى دون مسئولية عن الأرباح
    والخسائر ؟؟؟
    إن الانقلابيين لن تحرك مشاعرهم كثرة أعداد المتظاهرين ، بل إن سقوط القتلى والجرحى وكثرة المعتقلين من صفوف المتظاهرين بمثابة المحفزات الهرمونية لرغبتهم السادية
    في القتل والتعذيب !!! إنهم لن تتحرك عقولهم للتفكير في مستقبلهم المظلم إلا إذا وجدوا البلطجية يسقطون وتطير رقابهم ، وإذا وجدوا القناصة معلقين في ميادين عامة وإذا
    تم تدمير أهداف استراتيجية ، فالنظام المصري لا يختلف كثيرا عن النظام السوري ، سواء من الناحية الأيدلوجية أو السادية القتالية ، ومثل هذه الحالة لا تجدي معها إلا حلول
    الثورة السورية .

    طيب هل يسوغ الخلاف في هذين المسارين أم لا ؟


    نحن لا نتحدث عن خلاف فقهي في مسألة فروعية ... ولكننا نتحدث عن شأن وطني ودولي يترتب عليها زوال أنظمة وحرية شعوب !
    المواجهة بالنسبة للشعب المصري الآن ليست مع النظام المصري فقط ، بل مع كل الأنظمة التي لا تريد للشعب المصري أن يتحرر لأن في تحرره سقوط
    ضروري ومباشر لكل الأنظمة الطاغية المستبدة في المنطقة .
    فدولة الإمارات مع مصالحها والسعودية واتجاهها الليبرالي الآن مع الكويت وخوفها من تمدد الإخوان فيها ومن ورائهم أمريكا وروسيا اللتان تخشيان من
    تمدد الإسلاميين في المنطقة مما يعني قلب كل المعادلات التي عملوا على تقنينها لعشرات السنين ، كل هؤلاء أعداء للثورة المصري والسورية الآن ....
    والخلاف في مواجهة مثل هذه القوى كخلاف قادة جيش حول الأجدى مع عدو مدجج بالآربجي أن نقاتله بالسيوف الخشبية أو البلاستيكية !!!!
    إن المسار السلمي خيار لمن يراه نافعا ، ويمكن أن نحترم هذا الرأي ، وليس معنى أننا نسوّغه ، ولكن بسط الأدلة قد لا يفيد مع وجود صبغة شخصانية
    تنتهج السلمية وتعتقدين يقينا ، فلا أقل من أن نمرر هذا الرأي ونعطيه الحرية في التعامل مع الواقع ، ولكن في المقابل لا يجوز أن يعامل الراي الآخر كأنه
    عدو في قائمة الساعين في نقض الثورة أو الإضرار بها ، بل إن وجاهة تسليح الثورة المصرية ترفده كل المعطيات ، وتنادي عليه كل الإرهاصات والقرائن .
    والمتصور في الثورة المصرية أن تتوازى المظاهرات السلمية مع التحركات المسلحة ، وتستقل كل واحدة عن الأخرى ولا تكن مسئولة عنها ، أو أن يتكامل
    الخطان ويتمم أحدهما الآخر .
    ومهما يكن من أمر ، فإن البطء في الخيار المسلح استبطاء لكل الفرص المتاحة لتحريك المياه الراكدة في الشأن المصري ... والله أعلم .