~*¤ô§ô¤*~ ربيع عربي أم خريف ~*¤ô§ô¤*~






النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟

  1. #1

    الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟

    الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟


    في الوقت الذي يبدو للمشاهد العادي والمراقب السياسي، تَصَدُر الحركات الإسلامية السياسية العربية للمشهد السياسي الراهن، وإمساكها بزمام معظم خيوط ترتيب الوضع السياسي المستقبلي للمنطقة العربية، فإن هناك من يتمنى إخفاقها وفشلها في تحقيق ما سعت من أجله خلال عقودٍ طويلة، وهؤلاء من كانوا على خلاف عقائدي مع تلك الحركات. وبالمقابل فإن المواطن العادي يقف حائراً بين رغبته في أن تكمل تلك الحركات مشوارها لتقوده وتقود البلاد الى تقدم وعدالة واستقرار، وبين استماعه لمن يقدح في كينونتها التي يسمها البعض بالعمالة أحياناً وبالركض الى استلام السلطات بغض النظر عن مصالح الوطن والمواطنين.

    وفي هذه السلسلة من المقالات التي نحرص بكل صدق، أن نكون حياديين في تدوينها، متوخين في ذلك إيصال المعلومة التعريفية للقارئ والمتتبع لما يحدث في الساحة العربية، لكي يتخذ موقفه بعد التعرف على نشأة وأفكار وطبيعة تنظيم تلك الحركات.

    كما أن هناك هدفاً آخراً، وهو ترك مادة للتفكير عند بقية الأحزاب والحركات السياسية العربية، لتعيد عملية اتخاذ المواقف، باعتبار تلك الفصائل السياسية الإسلامية (شريك مفارق) يتوجب التعامل معه بإيجابية وتعاون، كما يتم التعامل في الدول الغربية بين الحركات العلمانية والحركات الدينية، والابتعاد عن التربص وانتظار الإخفاق أو صناعة ما يوصل الى الإخفاق والفشل، وبالتالي إضافة سنوات انتظار جديدة لأبناء الأمة للحاق بغيرهم.


    وقد نمر على العداء المستتر بين التيار القومي واليساري من جهة و التيار الإسلامي السياسي العربي من جهة أخرى، كون التيارين استحضرا الثقافة من أجل التحريض على فعل سياسي، تدرب أولاً في محاولة كل تيار من النيل من الآخر، قبل تدربه على النيل من أنظمة الحكم.

    بداية التشكيلات الحديثة للحركات الإسلامية

    يكره المنتسبون لتلك الحركات وصفهم بما يسمى (الإسلام السياسي) وسنحترم وجهة نظرهم بذلك ولن نذكر ذلك المصطلح المستخدم إعلامياً وسياسياً من قبل من هم خارج تلك الحركات.

    وكون حركة الأخوان المسلمين هي أكبر الفصائل السياسية الإسلامية، بل والسياسية بشكل عام في الوطن العربي، فعليه سنتخذها نقطة أساس للانطلاق في حديثنا، مع ذكر المقتربات التي أسهمت في تشكيل حركة الأخوان المسلمين، وأثرت فيها عقائديا وسياسياً.

    في منتصف القرن التاسع عشر، وبعد أن اتجهت دولة الخلافة العثمانية لتتريك رعاياها في المنطقة العربية (أي تحويلهم لأتراك) وجعلهم ينسون لغتهم العربية، صعد تيار عروبي قومي متأثراً بالأفكار والنماذج التي وُجدت في أوروبا التي تخلصت دولٌ منها من هيمنة الدولة العثمانية، فظهرت بذلك الدولة/الأمة، كهنجاريا وبلغاريا وغيرها من الدول، وظهر فكرٌ قومي في مناطق كثيرة في أوروبا دعا لوحدة أبناء الدولة/ القومية كما حصل في ألمانيا وفرنسا وغيرها، فكان من الطبيعي أن يظهر التيار القومي ليتخلص من زيف العباءة العثمانية التي كانت تحكم باسم الدين، في حين كان الجهل والفقر والفساد منتشراً في مناطق رعاياها من العرب. وقد استنفر للجهد القومي من أبناء الأمة العربية مفكرون من مختلف الديانات والطوائف، فأعطوه زخماً كبيراً.

    بالمقابل، فإن المتمسكين بوحدة الدولة الإسلامية، انصرفوا الى جهود وصفت بالإصلاحية مع عدم معاداتهم بشكل علني للتيار القومي. وهؤلاء المصلحون الإسلاميون هم من ترافدت أفكارهم بعد تعديلها حتى وصلت الى (الأخوان المسلمين). وسنوجز أهم هؤلاء المصلحين وأفكارهم، وكيف تعامل معها الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الأخوان المسلمين:

    جمال الدين الأفغاني (1838ـ1897)

    مفكر إسلامي ومصلح ديني وسياسي واجتماعي، وصاحب دعوة لتحرر الأمم الإسلامية من الاستعمار والنفوذ الأجنبي، ولقيام الجامعة الإسلامية على أسس دستورية. كانت أخصب فترات زمانه ما قضاه بمصر من عام 1871 الى عام 1879.

    وُلد في أسد آباد أو (سعد آباد) كما يسميها صاحب الموسوسة السياسية*1، لأسرة كريمة لها نفوذها في منطقتها، ويلقب وينادى بالسيد لانتمائه لزين العابدين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ولم يكن شيعياً كما أثبت ذلك المفكر الإسلامي محمد عمارة*2. يتحلى بأخلاق المحاربين كونه اشترك في حرب تحرير (هراة)، ويمتاز بقدرة خطابية هائلة، وثقافة نوعية، قربه إليه سلطان أفغانستان وسلطان إيران (ناصر شاه) الذي اتهم الأفغاني بأنه خطط لقتله. كما قربه السلطان العثماني عبد العزيز، ثم طرده من استانبول، فجاء الى القاهرة، ليستقبله الخديوي إسماعيل، ثم التقى بابنه (توفيق) في محفل ماسوني!*3 وقيل أنه تآمر معه لقتل الخديوي إسماعيل.

    من أفكاره: أن الدول لا تتكون ولا يخلص لها السلطان إلا بقوتين (الجنسية: العِرق) التي تدعو للاتحاد لمغالبة من سواهم من ذوي الأجناس الأخرى، وقوة الدين، ويكون الأخير أكثر فاعلية من العصبية. ويضرب الأفغاني مثالا على العرب، بأنهم جنس شجاع قوي، لكنهم لم يعرفوا أن يؤسسوا دولة إلا بالإسلام. وقد استطاعوا أن يؤسسوا دولة قوية في العهد الراشدي والأموي وصدر العهد العباسي، قبل أن يركنوا الى غيرهم من الأقوام.. فانتشر الجهل بين الخلفاء ففقدوا قوة الدين والعِرق معاً*4

    كان يُحرض مستمعيه على الثورة، فنفي من مصر ومات في ظروف غريبة، إذ أنه بعد أن وجهت أصابع اتهام اغتيال شاه إيران إليه، ظهر مرض في فكه، فأوعزت الحكومة الإيرانية الى طبيب عراقي اسمه (جارح) ليتولاه، فمات بالعلاج! فضبطت الحكومة التركية كامل أعماله وصادرتها..

    الإمام محمد عبده (1849ـ 1905)

    هو محمد عبده بن حسين خير الله، نشأ في قرية بمحافظة البحيرة بمصر. تعلم في الأزهر، وأخذ عن خاله التصوف. لازم جمال الأفغاني عند قدومه لمصر، وتأثر بها تأثراً شديداً، وتعلم منه الاهتمام بالصحافة والإعلام والاهتمام بالأمور السياسية، وبعد نفي الأفغاني من مصر، تم تراجع محمد عبده عن الأفكار الثورية وترأس تحرير جريدة الوقائع المصرية، ودرَّس في (دار العلوم). اشترك محمد عبده بثورة أحمد عرابي، وبعد فشلها سُجن محمد عبده ومن ثم نفي فالتحق بجمال الدين الأفغاني في باريس ليصدرا هناك (العروة الوثقى)، ويؤسسا تنظيماً سرياً.

    عاد الى مصر، عمل في القضاء، ثم تولى منصب الإفتاء، والتفت حوله نخبة من المثقفين والمفكرين كانوا يمثلون مدرسة الفكر المصري والعربي والإسلامي التي ترى التحرر والتطور ثمرة للتربية والتعليم والاستنارة، وتعلق الآمال على الصفوة المختارة في ميدان الفكر وليس على تحرك العامة واتجاه الجماهير!

    تسللت أفكار الأفغاني ومحمد عبده وتأثر بها مؤسسو حزب الأمة المصري والأحرار الدستوريون مع بعض التعديلات*5

    محمد رشيد رضا (1865ـ 1935)


    مفكر إسلامي إصلاحي، أكثر الأشخاص الذين تأثر بهم الإمام (حسن البنا) مؤسس جماعة الأخوان المسلمين. ولد في القلمون/ طرابلس لبنان، سنة 1865، من عائلة متدينة، حيث أن والده علي رضا إماما لمسجد القرية، فحفظ رشيد (واسمه مركب محمد رشيد) القرآن الكريم في صغره، والتقى بمحمد عبده في بيروت عند نفيه على إثر فشل ثورة أحمد عرابي، وحاول اللقاء بجمال الدين الأفغاني، لكنهما اكتفيا بتبادل الرسائل.

    تأثر تأثراً شديداً بالإمام محمد عبده، ونزل مصر ليكون قريباً منه وكان ذلك في عام 1898، أسس مجلة (المنار)، قام الإمام محمد عبده بتفسير خمسة أجزاء من القرآن الكريم قبل وفاته، ثم تابع رشيد رضا تلك السلسلة حتى وصل الى سورة هود قبل وفاته، ثم حاول الشيخ السلفي السوري محمد بهجت البيطار تكملة ذلك إلا أنه توقف بعد سورة يوسف.*6

    وكانت جماعة الأخوان المسلمين عندما يتم التضييق عليها في مطبوعاتها المرخصة تلجأ لاستئجار مجلة المنار أو تمرر نشراتها من خلالها.

    كان رشيد رضا أديباً لغوياً وكاتباً وصحفياً. كان يرى أنه من الضرورة لرُفي الأمة الجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا على الطريقة الأوروبية الحديثة مع التربية الإسلامية الوطنية.




    هوامش
    *1ـ موسوعة السياسة/ عبد الوهاب الكيالي/ بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1990 الطبعة الثالثة الجزء الأول صفحة 231.

    *2ـ مجلة العربي عدد شهر 9/ 2012 صفحة 84.

    *3ـ ملحق مجلة السياسة الدولية عدد 189 صفحة 6/ يوليو/ تموز 2012، أورد تلك المعلومة الدكتور عمر رياض أستاذ الدراسات الإسلامية، معهد لايدن لدراسة الأديان.

    *4ـ الآثار الكاملة لجمال الدين الأفغاني، خاطرات الأفغاني/ إعداد وتقديم: سيد هادي خسروشاهي/ المجلد السادس صفحات 206ـ 208/ القاهرة: مكتبة الشروق الدولية 2002

    *5ـ موسوعة السياسة/ عبد الوهاب الكيالي/ بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1990 الطبعة الأولى؛ الجزء السادس صفحة 92.

    *6ـ الأخوان المسلمون: هل هي صحوة إسلامية؟/ السيد يوسف/ القاهرة: مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات/ الجزء الثاني: حسن البنا والبناء الفكري صفحة11.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  2. #2

    رد: الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟

    مصر عشية ظهور الأخوان المسلمين

    في عام 1907 جاء تقرير اللجنة الجامعية المشتركة بين جامعتي باريس ولندن التي شكلتها حكومة (نيريمان) من الاختصاصيين في تاريخ الإمبراطوريات، مشيراً الى (أن الخطر الذي يهدد مستقبل بريطانيا وفرنسا، إنما يكمن في المنطقة المُطلة على الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط حيث يقطن هناك شعب تعداده 35 مليون نسمة (آنذاك) ويتمتع بثروات طبيعية وبأسباب القوة والنهضة والوحدة...)*1

    كانت اللجنة تعرف ما تقول، فأبناء هذه المنطقة، هم ورثة حضارات وادي النيل وحضارات وادي الرافدين وحضارات جنوب الجزيرة العربية وبلاد الشام. وأبناؤها انتقلوا منذ آلاف السنين من شرق الجزيرة حتى سواحل الأطلسي فأسسوا بعهد الفينيقيين والكنعانيين مدن طنجة والقيروان وطرابلس الغرب. ومن منطقتهم انتشرت الديانات السماوية كلها، وقد تصاهروا وانصهرت حضاراتهم في بعض، فباتوا يشكلون كتلة ثقافية وحضارية واحدة، أعطاهم الإسلام بعداً توج فيه قدراتهم فأصبحوا يجذبون كل المبدعين ويفجرون طاقاتهم، فتجد اليهودي والمسيحي والصابئي قرب الخلفاء يترجمون ويبحثون بروح وثابة، وتجد الكردي والأمازيغي يقودون الجيوش للذود عن حياض الأوطان.

    إذن لم يكن هناك من بُد، لتفويت فُرص نهوضهم ووحدتهم، فرتبت قضية الكيان الصهيوني لزرعه في جسم الأمة ليفصل شرقها عن غربها ويعطل مشاريعهم الوحدوية، وتدخل الغرب في تقسيم رقعة بلادهم بالمسطرة، فأنشأ الكيانات الصغيرة التي لا مستقبل لها كدول، وتدخل في جعل قياداتهم التي سترثه بعد الاستقلال الناقص تستلهم طرق الغرب في محاربة أبناء الأمة وتصل فيهم بالنهاية الى شعارات مثل الأردن أولاً ومصر أولاً وجيبوتي أولاً!

    الأزمة العالمية وأثرها على انطلاق حركة الأخوان المسلمين


    في نهاية العشرينات من القرن العشرين، ظهر الكساد العالمي، حيث بدأت بوادره في منتصف العشرينات ، وأثرت تلك الأزمة على قطاعات واسعة في العالم، وكان أكثرها تضرراً قطاع الزراعة، والغابات والتعدين، وانخفضت التجارة بين الدول الى الثلث تقريباً وانتشرت البطالة كما انخفضت قيمة المحاصيل الزراعية نحو 60%. واستمرت الأزمة الكبرى من عام 1928 لمدة خمس سنوات تقريباَ.

    في مصر كان الاقتصاد المصري يعتمد على الزراعة وبالتحديد القطن المصري المشهور عالمياً، وكانت أكثر مدن العالم استهلاكاً له (مانشستر وبرمنجهام). ولأن نسبة الأمية كانت تزيد عن 80% في مصر، ولأن عمليات التصدير والترويج للقطن المصري تتم من قِبل حلقات أكثرها كانت ترتبط بإدارة الانتداب البريطاني، فلم يعلم الفلاحون عن أزمة عالمية ولم تكن هناك وسائل إعلام كافية لكي يتجنب الناس الوقوع ببراثن تلك الأزمة (الإذاعة المصرية أُنشئت عام 1933).

    استمر الفلاحون في زراعة القطن وشراء السماد بالدين الآجل، وأخذ سُلَف مالية لحين الإنتاج والبيع وتسديد الأثمان. ولكن لا تصدير، ولا قبض أموال، فأثر ذلك على وضع الفلاحين، فَفُرِضَت الفوائد الربوية العالية، واستولى المملون على الأراضي من الفلاحين، وتم مهاجمة وحرق أكثر من 12 ألف مخزن من مخازن القطن، وقتل 2200 عمدة، نتيجة ذلك الوضع بين عامي 1928 و1933. ومن يشاهد الأفلام والمسلسلات المصرية التي تتناول تلك الفترة يستطيع التعرف على أن ظاهرة الحرق والاغتيال كانت منتشرة.

    كان القطن في بداية القرن العشرين وحتى عام 1940 يمثل ما بين 40ـ 50% من الإنتاج الزراعي في مصر، وكان يمثل 80ـ90% من صادرات مصر. وقد أدى انهيار أسعاره الى طرد الفلاحين من أراضٍ مساحتها أكثر من 110 آلاف فدان والاستيلاء عليها خلال الأعوام 1929ـ1932*3(الفدان يساوي 4200 متر مربع).

    بالمقابل فإنه كان في مصر التي كان سكانها آنذاك (سنة 1928) يعدون 14,2 مليون، حوالي نصف مليون عامل يشكلون 8%، تعرضوا للطرد التعسفي وعدم صرف الأجور، وقد قامت الحركة العمالية بموجة من الإضرابات قام بها عمال سكك الحديد والترام والموانئ وعمال قناة السويس، وكان الخط اليساري هو من يؤثر في تلك الحركات لغاية 1928.

    أما الأحزاب المؤثرة والفاعلة فكانت:


    1ـ حزب الأمة: تأسس في أيلول، أنشأه أحمد لطفي السيد (1872ـ 1963)، الذي أسماه المصريون فيلسوف الجيل، وكان أعضاؤه قد تجمعوا حول جريدة (الجريدة) التي كان رئيس تحريرها، كان أعضاء الحزب من الأرستقراطيين. اهتم مؤسسه في جمع التبرعات لإنشاء جامعة مصر الأهلية عام 1908، والتي أصبحت حكومية عام 1928، باسم (جامعة الملك فؤاد).

    2ـ حزب الوفد المصري (1918ـ 1953): حزب مصري، قاد الحركة الوطنية الديمقراطية من عام 1919 الى أواخر الأربعينات. تشكل بعد مقابلة سعد زغلول للمندوب السامي البريطاني للمطالبة بالاستقلال، فكان القصد من تشكيله هو إيجاد صفة بالنيابة عن الشعب، فكان يتم جمع التوكيلات لإضفاء صفة تمثل الشعب، ساهم في تكوين الجامعة الوطنية وتوحيد المسلمين مع الأقباط، وفاز في كل الانتخابات منذ صدور دستور 1923، وحتى قيام ثورة 1952. كان على مناكفة دائمة مع القصر، فهو يشكل بعد فوزه بالانتخابات الحكومة منفرداً أو مؤتلفاً مع بعض الأحزاب ك (الأحرار)، ثم يطرده الملك من الوزارة، تعرض لانشقاقات كثيرة، كان المنشقون يتجهون صوب الملك. تناوب على قيادته (سعد زغلول منذ تأسيسه حتى وفاته 1927، ثم مصطفى النحاس ثم مكرم عبيد ثم محمد صبري أبو علم ثم عبد السلام فهمي جمعة، ثم فؤاد سراج الدين) يُسجل له بأنه أرسى القواعد الديمقراطية الحزبية الحديثة في مصر.. مُنع من نشاطه بعد ثورة 1952.*4


    3ـ حزب الأحرار الدستوريين (1922ـ 1953): حزب غلب عليه تمثيل مصالح كبار ملاك الأراضي الزراعية. يعتبر امتداداً لحزب الأمة الذي خاصم فكرة الثورة، ترأسه عام 1922 (عدلي يكن) الذي شكل الاتجاه المخاصم لسعد زغلول. ساهم في وضع دستور مصر عام 1923، في حين تغيب حزب الوفد عنها، كان حليفاً للملك، لم يحظ بالتفاف شعبي. لكن كان فيه لفيف من كبار مثقفي مصر أمثال: طه حسين وعلي عبد الرازق والمفكر (محمد حسين هيكل) [ليس له علاقة أو قرابة مع الإعلامي والصحفي محمد حسنين هيكل]

    4ـ الحزب الوطني (1907ـ 1953): أسسه مصطفى كامل ليسعى لاستقلال مصر، كان يطالب بحكم ذاتي تحت السيادة العثمانية. بعد ثورة سعد زغلول تضاءل حجم الحزب فانضم معظم أنصاره الى حزب الوفد. كان يرفض الاشتراك بالحكومات، تعاون الحزب مع حركة الضباط الأحرار في ثورة 1952.

    لم تلبي كل تلك الأحزاب الذي غلب على مؤسسيها وأعضائها الطابع البرجوازي والمهادن للحكم في بعض الأحيان والمتعاون مع حكومة الانتداب في أحيان أخرى، في حين كانت الطبقة الوسطى آخذة بالاضمحلال وهي طبقة المعلمين وأصحاب الحرف والشهادات الجامعية، كما لم تكن فئات الفلاحين والعمال إلا في أسوأ أحوالها، مما أوجد بيئة ناضجة للتوجه الى فكر آخر..


    هوامش
    *1ـ مقدمة في دراسة المجتمع العربي والحضارة العربية/ الياس فرح/ بيروت: دار الطليعة ـ الطبعة الثانية 1980 صفحة 106.

    *2ـ شارل عسوي/ مصر في منتصف القرن (مسح اقتصادي) 1954.
    *3ـ المصدر السابق.
    *4ـ موسوعة السياسة/ عبد الوهاب الكيالي/ بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1981 الطبعة الأولى؛ الجزء الثاني صفحة 530.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  3. #3

    رد: الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟

    الإمام حسن البنا (1906ـ 1949)

    المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين ومؤسسها في مصر. ولد ببلدة المحمودية بمحافظة البحيرة سنة 1906. أبوه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي من رجال الدين بالبلدة. بدأ حفظ القرآن الكريم بالكُتَّاب، ثم التحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور في 1920. انضم الى بعض من الجمعيات الدينية (جمعية الأخلاق الأدبية)، (جمعية منع المحرمات)، ثم انضم الى طريقة صوفية (الأخوان الحصافية)، وساهم في تأسيس (الجمعية الحصافية الخيرية) لمقاومة المحرمات ومقاومة النشاط التبشيري لإرسالية إنجيلية بالبلدة. التحق بدار العلوم بالقاهرة سنة 1923.

    ظهرت لديه فكرة تكوين دعاة إسلاميين ينشطون في المساجد والمقاهي والمجتمعات العامة، اتصل بمحب الدين الخطيب والشيخ محمد الخضر حسين وأحمد تيمور، وحضر مجالس رشيد رضا ويوسف الدجوي وغيرهم.

    ساهم في تحرير صحيفة (الفتح) الإسلامية. تخرج فعُين مدرساً بمدينة الإسماعيلية في سبتمبر ـ أيلول 1927، فقضى نحو العام يتصل بالأوساط الدينية بالمدينة ونشط في الوعظ. أسس جماعة (الأخوان المسلمين) في مارس ـ آذار 1928، ثم نشط لجمع الدعاة بالأقاليم المتاخمة في محافظتي الشرقية والدقهلية وفي مسقط رأسه بالبحيرة.

    نُقِل مدرسا بالقاهرة في 1932، فانتقل مركز نشاط الجماعة إليها. أصدر صحيفة (الأخوان المسلمين) الأسبوعية. اتجه صراحةً الى ميدان السياسة من 1938 فأصدر صحيفة (النذير) الأسبوعية. وتوسعت حركته كثيراً خلال الحرب العالمية الثانية. رشح لانتخابات مجلس النوّاب في 1942، ثم انسحب لما طلب (مصطفى النحاس) رئيس الوزراء إليه أن يقصر نشاطه في مجال الدين دون السياسة.

    في إحدى خطبه يرد فيه على من يريد إبعاد الأخوان المسلمين عن السياسة (بأن الدين عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وسماحة وقوة وخلق ومادة وثقافة وقانون)*1

    اطّرد نمو حركته بَعد الحرب، وكان خصماً عنيفاً لحزب الوفد وللحركات اليسارية الجديدة. وقعت أحداث اغتيال سياسي ونسف للمنشآت العامة نُسبت الى الجماعة، فحلتها وزارة (النقراشي) في ديسمبر ـ كانون الأول 1948، فاغتيل النقراشي في الشهر نفسه. ردت الحكومة باغتيال الشيخ البنا عند خروجه من جمعية الشبان المسلمين مساء 12/2/1949.*2

    غموض أهداف الجماعة

    احتار الكثير في أهداف جماعة الأخوان المسلمين، فبعضهم قال: إنها جماعة دينية يقتصر نشاطها على التربية الأخلاقية والشئون الاجتماعية والدعوة للرجوع للدين الحنيف ونشاطها أقرب لما في نفس مؤسسها من جنوح للصوفية، فهي بعيدة عن النشاط السياسي والحزبي. وقال البعض الآخر: إنها جماعة تخفي وراء نشاطها أهدافاً سياسية تخطط من خلالها للوصول للحكم.

    وما كان يرجح الاحتمال الأول أن مؤسسها لم يتعرض لانتقاد نظام الملك فؤاد، ولم يتدخل في الشأن السياسي رغم كثرة حل الوزارات وتغييرها، بل كان تصرف الإمام حسن البنا يبدو منه الرضا تجاه حكم الملك فؤاد، فقد كان ينظم احتفالات استقباله في الإسماعيلية ويحث المواطنين على حسن استقباله ويصف طلاب مدرسته للهتاف له، وعندما كان يُسأل عن تصرفه، يقول: لا بد أن نبدو أمام الأجانب أننا شعب يحترم ملكه ونظامه*3

    وعندما تبرعت شركة قناة السويس والتي كانت تحت إدارة الأجانب بمبلغ 500 جنيه لجماعة الأخوان المسلمين، كان القائمون على تلك الشركة يقولون إنها جماعة دينية تساهم في تهدئة الأوضاع ولا تتدخل بالسياسة. أما أتباع الجماعة فكانوا معجبين بمرشدهم، ويرجحون الهدف الثاني وهو السياسي، ويصفونه بالدهاء لأنه استطاع أن يخدع الأجانب والقصر معاً*4

    وهناك من يقول: أن الحكومة المصرية كانت تؤيد تلك الجماعة لأنها تقف بوجه الأحزاب اليسارية التي كانت أفكارها تقلق الحكومة والبريطانيين معاً، وقد اقترحت حكومة محمد محمود باشا (من حزب الأحرار) وهي حكومة رجعية، على الإمام حسن البنا فتح مزيداً من الفروع والشُعب في أنحاء مصر، كما أن تقارير مدراء الشرطة بحق الجماعة تشيد بجهودهم لهداية المنحرفين وتقليل نسبة الانحراف.

    وقد ألمح بل صرح الإمام حسن البنا ببعض ملامح منهجه التي تفسر بعض السلوك المحير، فقال في مقال بعنوان ( لا بد من هذا لكل أمة تريد النهوض): هي ثلاثة أمور: أن تتعرف على أعدائها لكي تحذرهم، وأن تهتدي لأحبابها لكي تستخلصهم، وأن تضع المنهج الحازم الحكيم لتسير عليه فلا تلتوي بها الطريق.*5

    ويؤكد الإمام حسن البنا أنه منحاز للدين على غيره من وسائل التغيير فيقول في مقالة تحت عنوان (هل نحن قومٌ عمليون؟): رأى قوم أن يصلحوا أخلاق الأمة عن طريق العلم والثقافة، ورأى آخرون أن يصلحوها عن طريق الأدب والفن، ورأى غيرهم طريق السياسة وآخرون الرياضة... ولكن أريد أن أقول أن الإخوان المسلمين رأوا في الدين جميع تلك الوسائل مجتمعة*6

    فوق الغموض تناقض

    لم يكن الغموض فقط هو ما طغى على نشاط الجماعة، بل حتى والتناقض، فقد كتب مرة أحد كبار الجماعة (صالح عشماوي) مقالا ينتقد فيه الدستور، واتهمه بالخروج عن الإسلام ومعاداة الشريعة، وقد طلبت منه الحكومة العدول عن التصريح وإلا قدمته للمحاكمة، فرفض، فطالبه الإمام حسن البنا بالرضوخ: (اكتب يا صالح ما يُطلب منك)*7

    لقد كتب الناطق باسم الأخوان المسلمين متفاخراً بالغموض والتناقض: (أن الأخوان أخفوا أهدافهم عشر سنوات وهم يعملون في صمت وكتمان وسعي متواصل في غير ضوضاء ولا ضجيج وفي غفلة من كل القوى [[قوة المحتلين الإنجليز وقوة الملك وقوة الأحزاب السياسية، وقضاها الداعية الشاب حسن البنا في بث الدعوة ونشر الفكرة وتوضيح المفاهيم وتجنيد الدعاة وتجميع الأنصار، وربطهم ببعض برابط العقيدة والإيمان... عشر سنوات)*8

    مع ذلك ورغم قصر عمر الإمام حسن البنا، فإنه اعتبر من أذكى شخصيات مصر والعالمين العربي والإسلامي وأقدرهم على الخطابة وكسب ود الآخرين واستطاع أن يؤسس لتنظيم عابر للقارات، تتعدد نشاطاته بين الدعوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويتفنن في استخدام وسائل العصر بالإعلام والاتصالات، ويترك انطباعاً لصالح الجماعة أن أتباعها من الكثرة بمكان، فكان أي مظهر ديني حتى لو لم ينتمي للإخوان المسلمين يبدو وكأنه يتبعهم، وكانوا هم يعرفون حقيقة تلك المشاهد ويتركون من يراقبهم في حيرة، فإن كان نشاطه جيداً تركوا لمن يراقب بأن يظن أنه منتسب لهم، وإن كان سيئاً فسرعان ما يتبرءون منه (إرهابي، تكفيري، ليس منا).





    هوامش
    *1ـ الأعلام/ خير الدين الزركلي/بيروت: دار العلم للملايين/ الطبعة 15 لسنة 2002/ الجزء الثاني صفحة 184.

    *2ـ موسوعة السياسة/ عبد الوهاب الكيالي/ بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1981 الطبعة الأولى؛ الجزء الثاني صفحة 532.

    *3ـ الأخوان المسلمون: هل هي صحوة إسلامية؟/ السيد يوسف/ القاهرة: مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات/ الجزء الثاني: حسن البنا والبناء الفكري صفحة35.

    *4ـ المصدر السابق ص 36
    *5ـ جريدة الأخوان المسلمين الأسبوعية/ السنة الأولى/ عدد30/ الصادر في 1/3/1934، المصادف ليوم 15 ذي القعدة 1334هجري. صفحة 1ـ3
    *6ـ جريدة الأخوان المسلمين الأسبوعية/ السنة الثانية/ عدد 18/ 9/9/1934، صفحة 5.
    *7ـ أوردها المستشار طارق البشري في كتابه (الحركة السياسية في مصر بين 1945ـ1952) صفحة 374.
    *8ـ الأسرار الحقيقية لاغتيال حسن البنا/ جابر رزق ص 16ـ17
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  4. #4

    رد: الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟

    لماذا تصاعد التعاطف الجماهيري مع الحركات الإسلامية السياسية؟
    قبل أكثر من ربع قرن، كتب محمد أحمد خلف الله أحد مؤسسي حزب التجمع المصري، ونائب رئيسه، وصاحب مجلة اليقظة، أن المستقبل لن يكون في صالح الصحوة الإسلامية، بل سيكون في صالح الصحوة فقط!*1.

    كما أصدر عالم السياسة الفرنسي (أوليفيي لوروا سنة 1992) كتابه: (فشل الإسلام السياسي)، وجاء بعده كتاب (أنطوان بسبوس سنة 2000): (الإسلامية.. ثورة مجهضة). وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وانطلاق ما يُسمى الحرب على الإرهاب، توقع الكثيرون من المحللين السياسيين نهاية الحركات الإسلامية السياسية.

    بعد ذلك، ثبت أن تلك التوقعات لم تكن في مكانها، فقد صعدت الحركات الإسلامية في إندونيسيا وتركيا من نشاطها السياسي والتفت الجماهير حولها، وربحت حماس في الانتخابات الفلسطينية، وفاز الإسلاميون في انتخابات برلمانية في الأردن ومصر.. كما أن الحركات الإسلامية الشيعية في كل من العراق ولبنان قد تقدمت على الصعيد السياسي، ثم جاء الانفجار الشعبي بعد انتفاضات تونس ومصر، وصعد نجم الإسلاميين، فما وراء ذلك من أسباب؟


    أسباب تتعلق بالهويةأ


    فضل ما يُلخص هذا القول، هو ما أورده الباحث العراقي محمد عبد الجبار قبل عشرين عاماً، فقال: إن أردنا استخدام التحليل الاجتماعي الماركسي للحالة العربية والإسلامية فسننطلق من أن المجتمع ينتج نفسه بالضرورة (فإذا ما تعرض الى عملية تغريب أو انسلاخ، فإنه سرعان ما يرتد الى ذاته، والمجتمعات العربية والإسلامية تعرضت تباعاً لتلك العملية التي استهدفت سلخها عن ذاتها الإسلامية منذ فترة طويلة. ورغم النجاحات التي حققتها عملية التغريب تلك فإنها بقيت على السطح دون أن تنفذ الى المكونات الأساسية والجوهرية لذاتية تلك المجتمعات)*2

    معه حق ذلك الباحث، فلم يستطع حكم الشيوعيين للاتحاد السوفييتي مدة تقارب ثلاثة أرباع القرن، أن يطمس الإسلام من نفوس معتنقيه، بل بالعكس فقد زادهم الضغط تمسكاً به، ولم يستطع الكيان الصهيوني بمدة تقارب المدة السابقة من مَحي التعلق بالإسلام من نفوس الفلسطينيين.

    ويعزز مسألة الهوية، ما يشهده العالم الإسلامي، من عودة متعددة المظاهر، فبينما كان من النادر أن نجد في الجامعات العربية من تغطي رأسها بحجاب، انعكس الأمر الآن فنادرا من نلقى طالبة تكشف شعر رأسها. والإقبال على شراء الكتب الإسلامية والتراثية يفوق باقي مشتريات الكتب، وحركة بناء المساجد، والطلبات الكثيرة للحج والعمرة الخ.


    أسباب تتعلق بالاستفزاز الاستعماري

    مهما أرادت القوى الاستعمارية أن تغطي وجهها بما يعرف بحقوق الإنسان والتظاهر بأنها تريد الخير و (الديمقراطية) للشعوب العربية والإسلامية، فإن مواقفها من فلسطين والعراق وأفغانستان والسودان، وتدخلها في شؤون الدول العربية والإسلامية يفضح زيف ادعاءاتها، ويتصادف أن الحركات الإسلامية السياسية يكون موقفها ثابتا في مناوئة الاستعمار، فهذا يعطيها زخماً إضافياً للشد الجماهيري.

    أسباب تتعلق بالفاعلية الاجتماعية

    لا يتحرج الناس من إدخال أشخاصٍ عرفوا باستقامتهم الدينية والخلقية الى بيوتهم، وفي مساعدتهم في حل مشاكلهم العائلية، والاستماع الى مواعظهم في المآتم والصلوات، ومشاركتهم أفراحهم الخ.. وهذا يزيد من فرص احتكاكهم بالناس، والاستفادة منهم في مؤازرتهم.

    أسباب تتعلق بفشل التجارب غير الإسلامية

    عند انتهاء الحرب العالمية الثانية، انكفأ الغرب على تضميد جراحه، في حين تصاعد المد القومي لدرجة أنه كان هناك ست دول كأن نظمها تعلمت عند شيخٍ قومي واحد (مصر: عبد الناصر؛ سوريا: أمين الحافظ؛ السودان: إسماعيل الأزهري وإبراهيم عبود؛ اليمن: عبد الله السلال؛ الجزائر: ابن بللا وبو مدين؛ العراق: عبد السلام عارف والبعثيين).

    لم تستطع تلك الدول والأنظمة المتشابهة تقريباً، في تحقيق وحدة حقيقية بين أقطارها، ولم تستطع أن تنجز ـ إلا فيما ندر ـ من مشاريع تنمية، ولم تستطع إرساء دساتير وديمقراطيات كما فعلت الهند مثلاً بعد استقلالها، وتوج فشلها ما حدث في عام 1967 من هزيمة نكراء جرت المنطقة الى توابع سيئة جداً.

    أسباب تتعلق بمهادنة ومعاونة الأنظمة للحركات الإسلامية

    لم تخشَ أنظمة الحكم العربي من الحركات الإسلامية، خشيتها من التنظيمات اليسارية والقومية، فكانت في مصر تتركهم لمقارعة الشيوعيين والملحدين، وكذلك فعلت الحكومة الأردنية..

    وقد زاد التنسيق بين الحكومات الغربية والحكومات العربية، بعد (كامب ديفيد) وخروج مصر من دائرة الصراع العربي الصهيوني. والاحتلال السوفييتي لأفغانستان، فتم الترتيب للاستفادة من الأسلحة السوفييتية التي كانت في حوزة مصر بعد طرد الخبراء السوفييت، فأفرغت مستودعات مصر من تلك الأسلحة ووضعت في يد الإسلاميين لمحاربة الشيوعية السوفييتية، بتمويل بالمناصفة بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية*3 فحُشد لذلك كل الإسلاميين التواقين للجهاد من كل الأقطار العربية والإسلامية.

    لقد دأبت الأنظمة على نهج بهذا الخصوص، فكانت تنظف ساحاتها من بؤر يُخشى أن تكون مقلقة في المستقبل، فتنظمهم وتزين لهم أعمالهم، لتصدرهم الى ساحات مثل أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا الآن، لتلاحقهم فيما وتُقتلهم شر تقتيل..

    هوامش
    *1ـ الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي/ محمد أحمد خلف الله وآخرون/ بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1988 صفحة 98.

    *2ـ صحيفة الحياة اللندنية العدد الصادر في 31/1/1992// محمد عبد الجبار

    *3ـ مجلة وجهات نظر عدد شهر 8/2002 (ذكرها الكاتب محمد حسنين هيكل)
    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالغفور الخطيب ; 02-11-2012 الساعة 10:08 AM
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  5. #5

    رد: الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟

    نظرة سريعة على خريطة القوى الإسلامية

    في الحديث عن خريطة القوى الإسلامية السياسية في البلدان العربية، يكون التسرع في وصف قوتها ، كمن يراقب سباق (المراثون) في ربع المسافة الأول، فمن الصعب تحديد الفائز النهائي، ولا يشفع لجماعة الأخوان المسلمين أنها كانت السباقة في انطلاقها وحسن تنظيمها وتقنينها لقوة بدنها لتكمل المشوار لنهايته، حتى وإن كان لهذا الرأي أنصار..


    فحركات التغيير في البلدان العربية لم تعد تبحث عن زعيم له (كاريزما) كماو سيتونج أو هتلر أو عبد الناصر، بل تراقب عن كثب من يخلصها من الاستبداد وإرساء العدل، وتحقيق الرفاهية وتحسين الاقتصاد، وهذه مسألة أو مسائل معقدة تحتاج الى دراية في حشد الأنصار المدربين والعالمين بشؤون إدارة الدولة والعلاقات المحلية والإقليمية والدولية، ومعظم من انتموا الى الحركات الإسلامية، كانوا خارج حلقات صنع القرار السياسي والاقتصادي، وهم إما من أصحاب التجارة والعمل الحر، وإما من أساتذة وباحثين مكثوا طويلاً بالعمل كمراقبين للشأن السياسي. وهذا سيجعل لمهمتهم صعوبات إضافية تحتاج التحالف مع كثير من القوى المحلية والإقليمية والدولية، وسيمنعهم من ذلك السيل الجارف من انتقاداتهم للتجربة الناصرية خصوصاً والتجربة القومية عموماً، مما سيحيد تلك الأطراف أو ابتعادها عن معاضدتهم.

    الأخوان المسلمون

    هم القوة الأقدم والأكثر تنظيماً من القوى الإسلامية في مصر، وقد بادروا الى إنشاء حزب باسم (الحرية والعدالة).

    في تونس، هناك حزب (حركة النهضة) وجذور تلك الحركة تعود للأخوان المسلمين، وقد تقاسم السلطة في تونس مع أحزاب علمانية وقومية.

    في ليبيا: أسس الأخوان المسلمون حزبا باسم (العدالة والبناء) وهو ذراع الجماعة وأسسه (الأمين بلحاج) أحد كبار أعضاء المجلس الوطني الانتقالي يساعده (عبد الله شامية) أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي.

    في اليمن: كانت جماعة الأخوان ولا تزال حاضرة بقوة عبر التجمع اليمني للإصلاح، وقد شاركت الجماعة غيرها من القوى السياسية فيما يسمى (اللقاء المشترك)، ولم تستطع لا هي ولا القوة التي معها في حسم الثورة في اليمن أو أن تسد الفراغ الذي حدث بعد ابتعاد علي عبد الله صالح، ليكون وصف الثورة اليمنية بأنها (أُجهضت).

    وفي سوريا يشارك الأخوان في المجلس الوطني السوري ويدعمون المعارضة ويبرمون صفقات السلاح لها.

    وباختصار فإن تواجد الأخوان المسلمين يمتد من أقصى مغارب الوطن العربي الى مشارقه.

    السلفيون

    كشفت التغييرات التي جرت في المنطقة العربية أن حجم التيار السلفي لا يقل عن حركة الأخوان المسلمين انتشاراً واستعداداً. وقد كان لمبادراتهم السريعة في ترخيص وتكوين أحزاب سياسية تعبر عن هذا التيار الأثر الكبير في الاعتراف بحجم تواجدهم..

    في مصر: تشكل حزب (النور) وقد فاز بالمرتبة الثانية حوالي 25% من مقاعد مجلسي النواب (المنحل) ومجلس الشورى، وقد انطلق حزب النور من الإسكندرية الشيخ ياسر برهاني والشيخ سعيد عبد العظيم والشيخ محمد إسماعيل المقدم ترى أن حزب النور هو ذراعها السياسي*1

    كما تشكل حزب (الفضيلة) و حزب (الأصالة) وهناك نية لتأسيس حزب (الإصلاح)، وهناك تياران آخران: (سلفيو كوستا) و (التيار الإسلامي الحر).

    في تونس: هناك تيار يسمى (السلفية العلمية) وهو يعني بالمسائل الأخلاقية، وقد بينت أحداث جامعة (سوسة) عندما رفضت السلطات دخول المنقبات للحرم الجامعي، وكيف تمت إزاحة العلم التونسي من مبنى الجامعة ووضع علم أسود مكانه.

    في ليبيا: يوجد تيار سلفي قاتل ضد القذافي بمدينة (الزنتان) ويهتم بهدم قبور الأولياء، والأضرحة، ويهاجم الأخوان المسلمين وحكومة قطر لدعمها لهم.*2

    في اليمن: هناك تيار سلفي تقليدي، مع بزوغ تيار سلفي ذي طابع إصلاحي، مثل (الائتلاف السلفي اليمني) و (رابطة شباب النهضة والتغيير) و (رابطة علماء اليمن) و (رابطة علماء عدن)، وبعد أن قرر السلفيون في اليمن الاشتراك في المعترك السياسي أنشئوا حزب (اتحاد الرشاد اليمني).

    في سوريا: وجد التيار السلفي قديماً، وهو يؤيد الآن التحركات للإطاحة بنظام الحكم في سوريا، ويمثل حضوره أشخاص مثل (محمد سرور زين العابدين) و (عدنان العرعور) و (لؤي الزعبي) الأمين العام لحركة (المؤمنون يشاركون) ومن المتوقع أن يكون لهذا التيار دور مهم في تشكيل مستقبل سوريا، لأنهم يمزجون بين الإصلاح والحراك.

    قوى إسلامية ثالثة

    توجد تنظيمات إسلامية لا تمت بصلة لا للإخوان المسلمين ولا للتيار السلفي، كحزب العدالة والتنمية في المغرب (الذي يحكم اليوم) برئاسة (عبد الله كيران)، وهو مؤتلف مع ثلاثة أحزاب هي (الاستقلال، والحركة الشعبية و التقدم والاشتراكية).

    وفي ليبيا: (الحركة الإسلامية للتغيير) التي يقودها أنيس شريف، وهي لا تحبذ القتال، و من قادة هذه الحركة (عبد الحكيم الخويلدي بلحاج) الذي قاد المجلس العسكري في طرابلس وقاد عملية (فجر عروس البحر). وهناك التجمع الإسلامي وهو يسعى للتوفيق بين الدين وقيم المجتمع الليبي.

    وفي مصر: هناك حزب الوسط وهو إسلامي وقد فاز بتسعة مقاعد في الانتخابات لمجلس النواب المنحل.

    حزب التحرير: حزب أسسه قاضي الاستئناف (تقي الدين النبهاني) في مدينة القدس عام 1953، وقد انطلق يدعو الى إعادة الخلافة الإسلامية، وتجنب الأعمال المسلحة، ودعا للمقارعة الحوارية والتحليل كأسلوب والنشاط الإعلامي والسياسي، فامتد نشاطه حتى أصبح أعضاؤه بما يزيد عن عشرة ملايين ـ حسب تصريحات الحزب نفسه ـ، ولهم فروع قوية في إندونيسيا والسودان والدول الإسلامية التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي. وكذلك في تونس والأردن ومعظم دول العالم. من أبرز قياداته (تقي الدين النبهاني توفي 1977) وعبد القديم زلوم الأمير الثاني، وعطا أبو الرشتة الأمير الحالي.

    هناك حركات أخرى لا يتسع المجال لذكرها. كما أننا لم نذكر الأحزاب التي انطلقت من الطائفة الشيعية كالأحزاب السياسية في العراق وحزب الله في لبنان.

    وسنتعرض في المرة القادمة لكيفية التعامل مع فكرة الدولة والتعددية والحزبية، عند أبرز التيارات..



    هوامش
    *1ـ راجع دراسة الدكتور كمال حبيب (السلفيون وآفاق المشاركة السياسية.. حالة مصر) صحيفة البيان الإلكترونية عدد 294 في 23/12/2011.

    *2ـ ملحق مجلة السياسة الدولية عدد 188 أبريل/نيسان 2012، صفحة15
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  6. #6

    رد: الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟


    إسلامٌ واحد.. وقراءات سياسية متعددة


    عندما بعث الله عز وجل نبيه محمد صلوات الله عليه، في مكة وقلب الجزيرة العربية، لم يكن صعباً على أبناء تلك المنطقة أن يفهموا القرآن الكريم والاعتراف ببلاغته وقوة نصه، حتى من لدن المشركين أنفسهم. ولم يكن للمؤمنين الشباب حاجةٌ للتوسع والمجادلة حتى يُنَفّذوا تعليمات الرسول الكريم بما يأمرهم الله تعالى. فهذا النفر القليل المؤمن سرعان ما نشر الإسلام بالربوع العربية المجاورة، وأزاح غطرسة أكبر إمبراطوريات ذلك العهد بقليل من السنوات.

    وبعد قرنٍ من الزمان انتقل المؤمنون من بيئة بدوية بسيطة الى مناطق أكثر تمدناً ورقياً، تعتني بالعمارة والفلسفة والطب والفلك والهندسة، وغيرها من العلوم الطبيعية والأدبية. كان لزاماً على القائمين على إدارة الدولة ألا يتماهوا مع تلك الظروف المستجدة فقط، بل ويتفوقوا على من أصبحوا من رعاياهم ومواطنيهم، فلم يشجعوا العلم والتجربة والبحث العقلي فقط، بل ابتكروا أفضل الطرق فكان الخلفاء العباسيون في صدر دولتهم، يقبلوا بدل المال كُتُبَاً قديمة كانت مرمية في سراديب قصور الروم، وكان ملوك الروم ينظرون لتلك الصفقة بالسخرية من خلفاء بني العباس.

    وعندما تقدمت حركة الترجمة في كل المجالات، ظهرت نُخبٌ عربية وإسلامية، ترتفع هاماتها على غيرها من غير المسلمين، فازدهرت أعمال الوراقين والكتاب وانتشر مناخ استقطب فيه كل المبدعين من العالم ليجاوروا العواصم والحواضر العربية من قرطبة وأشبيلية غرباً مرورا بمدن المغرب ومصر والعراق وبلاد الشام ووصولاً الى سمرقند وخوارزم وغيرها.

    هذا المناخ أوجد بعض القطيعة بين النُخب والوسط الديني (رجال الدين والفقه والمحدثين) وامتدت تلك القطيعة لتصل العامة، ففي حين يشتهر الفارابي وابن رشد وابن طفيل وغيرهم كفلاسفة في كل أنحاء العالم، كان هناك من ينظر لهم نظرة تحقير واستصغار وأحياناً تكفير..

    الخلاف حول الدولة والحكم

    لم يظهر الخلاف بقراءة موضوع الحكم والدولة، بين رجال الفقه وغيرهم من الناس، بل ظهر في بداياته بين الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً، حتى أولئك المبشرين بالجنة، وهي مسألة لا تستوجب التطير أو الأسف، بل هي مسألة حيوية ومهمة جداً للوصول الى منهج لتداول السلطة أو الحكم..

    لكن المسلمون والعرب بالذات لم يقفوا عند نظامٍ ثابت يتفق عليه الجميع. فطريقة اختيار الخليفة الأول اختلفت عن الطريقة في اختيار الثاني والثالث والرابع، حتى أصبح الحكم ملكياً بعده في كل العهود والمناطق.

    فالدولة، لغوياً من دال يدول وتداول أي تناقل، والأيام دول، وهكذا ودواليك. فهي عندنا لغويا غيرها في الحضارات الأخرى فهي (State) مأخوذه من الصخرة والجبل الثابتين . والدولة، جغرافياً عندنا أيضاً غير محددة فأحياناً يفتخر ابن تونس بشعراء مصر كأنهم أولاد عمه ويفتخر ابن الشام بشعراء الجاهلية في الجزيرة العربية على أنهم أجداده، ولا زالت مناهج التعليم تعلم التلاميذ تلك المعلومات. وبنفس الوقت فإن الأردن والكويت يطلقون على برلمانهم مجلس (الأمة) أي أمة؟ وبعدها يقولون الأردن أولاً والكويت ومصر أولاً؟ وفي العالم معروفة حدود الدولة في الصين مثلاً (داخل حدود سور الصين).

    واسم الدولة عندنا يرتهن باسم عائلة، دولة الأمويين..دولة العباسيين.. الحفصيين .. الأغالبة .. العثمانيين، الخ

    إن هذا الارتجاج بالفهم يولد مناخاً قابلاً لتوليد آراء تتطرف وتؤذي الإسلام والمسلمين معاً. فرفض الواقع المليء بالمفاسد وتحميل أنماطٍ فكرية له يقود الى مزيد من التشرذم والفرقة..

    نقاط اختلاف في الرؤى السياسية عند الخطاب الإسلامي

    عندما نقول الخطاب الإسلامي، فإننا بالتأكيد لا نعني القرآن الكريم ولا السنن النبوية الشريفة المحفوظة في الكتب ويؤمن بها كافة المسلمين، بل نعني المحاججة الإعلامية والفكرية التي تتدافع مع غيرها من التيارات الوطنية التي يعنيها الهم الوطني بكل تفاصيله...

    وعلى أي حال ليس هناك خطاب إسلامي سياسي في العصر الحديث بقي على ما هو، شأنه شأن كل الخطابات السياسية فالحزب الشيوعي الصيني الآن ليس هو كما كان في عهد (ماو سي تونغ) والتيار الناصري الآن ليس هو كما كان في عهد عبد الناصر..


    فالسلفيون الذين حاربوا الحزبية والتحزب هرعوا لتشكيل أحزاب، والأخوان المسلمون وهم في المعارضة غيرهم في الحكم، وهذا طبيعي ومن حقهم وحق غيرهم أن يتجمعوا وفق أشكال تنظيمية تتلاءم مع الواقع، ومن حقهم وحق غيرهم أن يعمقوا صلاتهم بالجماهير ليحافظوا على صعودهم، ومن حقهم أن يوظفوا كل عناصر السياسة المحلية والإقليمية والدولية ليرسخوا أقدامهم في طريقهم.. لكن ليس من حقهم أن يدعوا أنهم يملكون الحقيقة وحدهم..

    لا تخلو النظريات والأدبيات السياسية التي ظهرت خلال قرن ونصف من التطرق الى موضوع الدين، وهي تتقارب في كثير من الأحيان وتتباعد قليلاً في أحيانٍ أُخرى، ولم تقتصر تلك الخطابات على مجموعة محددة، بل كتبها مفكرون من الأخوان المسلمين لهم قدرتهم وباعهم الطويل، وكتبها مفكرون من حزب التحرير لهم نظرتهم التي تُحترم وكتبها سلفيون لهم وجهات نظر تحمل في طياتها كثيراً من الأفكار التي تحمل وجاهتها. وكتبها أزهريون وسطيون تُحترم كتاباتهم، وكتبها مفكرون إسلاميون لا ينتمون الى أي مجموعة كالمفكر محمد عمارة و العالم مصطفى محمود ومحمد عابد الجابري وفهمي هويدي ومئات من المفكرين المحترمين

    حتى أن الفكر القومي لم تخلو الكتابات فيه من التطرق الى الدين باهتمامٍ كبير، وأن مجموعة العلمانيين أو الملحدين في المناطق الإسلامية والعربية لم يقللوا من شأن العامل الديني وهم يعرفون جيداً مدى تغلغل هذا العامل في صفوف الجماهير التي يعملون في وسطها.

    لقد التقت كل الفصائل الوطنية بمختلف مشاربها العقائدية على جملة أهدافٍ منها:
    1ـ التحرر من سيطرة الأجنبي وتدخله في شؤون البلاد..
    2ـ تحقيق العدالة والمساواة، وإشاعة روح المواطنة البعيدة عن الطائفية والعرقية والقبلية والجهوية..
    3ـ تناقل السلطة ومواقع القيادة الإدارية والسياسية دون تقنين يحرم فئة أو فرد من أخذ فرصته..
    4ـ محاربة الفساد واستيلاء مجموعات ضيقة على مقدرات المجتمع..
    5ـ تفجير الطاقات الإبداعية لأبناء المجتمع والنهوض بالبلاد من حالة التخلف الى حالة ازدهار واللحاق بركب العالم المتقدم.. والتحرر من رهن الحالة الاقتصادية بالدوائر الإمبريالية..
    6ـ رفع حالة الكرامة الوطنية التي تتأثر بما يجري في الشأن المحلي والقومي، فقضية فلسطين والقضايا التي تشابهها وتتولد تباعاً لم تعد شأناً يهم أهلها وحدهم بل يهم أبناء الأمة كلهم..

    خلاصة

    إن تلك الأهداف التي تلتقي عليها كل الفصائل الوطنية، وكل المواطنين، لا تتحقق بالورع والتدين وحده، بل بالعلم والمعرفة والقبول بوجود الآخر. فالدين والورع يهيئان للمجتمع مناخاً أخلاقياً ونزوعاً لقبول العدل و (القِسط) وهما شرطان أساسيان لتحقيق كل ما سبق..

    المواطن الملتزم بصلاته وصيامه وخشيته من الله سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو غير ذلك ينتظر من أصحاب الخطابات أن ينتقلوا من المناظرة الى وضع برامج تجمع حولها كل أصحاب الجهد النافع من كل الفصائل، حتى لا تذهب جهود تلك الفصائل في محاربة بعضها البعض وتبقى الأمة تراوح في مكانها ..
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  7. #7

    رد: الحركات الإسلامية السياسية العربية.. هل تنشد التناوب أم التدافع؟

    هل يستوجب على الحركات السياسية العربية دعم الإسلاميين؟



    لم يكن في صدر الدولة الإسلامية، حركة صهيونية أو شيوعيين وبعثيين وفلول نظام حتى تعيقها، وقد تم إزاحة إمبراطورية الفرس والروم كأعداء خارجيين، وكان المؤمنون المسلمون أقرب الى منبع الإيمان منهم اليوم، فما الذي جعل الدولة الإسلامية تتهاوى وتضعف شيئاً فشيئا حتى زالت من الوجود؟


    تقول الأسطورة العربية أن عبد شمس (جد الأمويين) وهاشم جد الرسول صلوات الله عليه، توأمان عندما وُلدا كان هناك أثران على جبهتيهما من أصابع كلٍ منهما، فتنبأت العرافة أن سيكون التاريخ المقبل بين أولادهما مخضبًا بالدم!*1

    وحاول الإخباريون العرب، أن يثبتوا تلك الأسطورة، بتتبع التاريخ ليثبتوا تلك المقولة، فيستشهدوا بأن أبا سفيان (الأموي) كان من ألد أعداء الدعوة التي بَشّر بها الرسول الهاشمي صلوات الله عليه، وأن الفتنة التي حدثت بعد مقتل عثمان (الأموي) كانت بين الأمويين والهاشميين الممثلين بعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأن العباسيين (الهاشميين) حاولوا ملاحقة الأمويين حتى في دولتهم البعيدة التي أقاموها في الأندلس بالتحالف مع (شارلمان) ملك فرنسا، وهارون الرشيد، وأن يكرس إبراهيم ابن الأغلب والي إفريقيا (تونس اليوم) الحكم في ذريته مقابل مضايقة الأمويين في الأندلس..

    ورغم عدم القناعة بتلك الأسطورة، لكن الخلافات السياسية التي كانت بين الفرق الإسلامية، لو تتبعها المتمعن لوجد أنها أخذت ولا تزال مساحةً في الفكر الإسلامي السياسي، وقد تم استغلالها جيداً من الشعوبيين الذين لم يَعْنِهم الإسلام بالدرجة الأولى بقدر ما يعنيهم زوال سلطانهم (الفرس مثلاً) واليهود، فأي محلل أو متحدث بالسياسة، حتى لو كان علمانياً، لا يتحرج من ذكر تلك الخلافات حتى هذا اليوم، وأي تحليلٍ سياسي يهم المنطقة لا بد فيه من المرور على إيران واليهود (غزة، لبنان، العراق) الخ..

    وعندما نريد وننوي ونُزمع أن نرتقي بهذه الأمة الى الأعلى، لا بُد من الترفع عن الدخول بتلك المهاترات، ونفكر بأنفسنا حتى تقوى أمتنا ونلتفت لجيراننا لنقيم معهم علاقات كأقوياء..

    لماذا علينا أن ندعم الإسلاميين في صعودهم؟

    كما أسلفنا، استطاع الإسلاميون أن يقيموا تنظيمات أكثر ثباتاً من غيرهم للعوامل التي ذكرناها، فإن كنا نهتم بشأن الأمة فلا يضيرنا أن يتبوأ مركز الصدارة فيها من فوضته الجماهير، فإن بنيان تنظيمه هو من ممتلكات الأمة وقد أصبح بمثابة فرض كفاية ليحمل على عاتقه رفعة شأن الأمة، فإن فشل فإنه سيحمل وِزر فشله، وإن نجح فإن نجاحه سيكون لصالح الأمة التي نحن منها..

    لكن، وحتى يحمل وِزر فشله، لا نسعى بجهدنا لإفشاله، فتلك الدورة تدور، وسيتربص بك كما تربصت به، وإن كان قد تربص بك سابقاً، فلا تعني مبادلته التربص سترفع من شأن الأمة، بل ستعيد الكَرّة ونبقى في مكاننا، هذا إن لم نتراجع أكثر..

    لقد أفلح القوميون واليساريون في مصر، عندما رجحوا كفة مرسي على شفيق، فلو نجح شفيق لأصبحنا أمام جيل من الحكم الفاسد تعرض لهزة الثورة واستفاد من تجربتها وأصبح أقوى من جيل مبارك..

    لكن هل أدرك الإسلاميون مقولة المفكرين الثوريين في حشد عوامل القوة لدحر أعداء الثورة؟ أم أنهم استلهموا طرائق من سبقهم في الحكم في الإجهاز على الحليف كونه مفارقاً؟ فالثورة عند جرامشي تتلخص في (إن التمركز الرأسمالي ينتج تمركزاً موازياً للجماهير الإنسانية)*2. فتنقية العناصر الثورية في جبهات محاربة أعداء الثورة لا تقتصر على طيف سياسي دون غيره، والأصعب في عملية التنقية، هو ما كان يختص بالطيف الواحد نفسه.

    ولكن لا نبالغ في انتقاد الأطراف التي تتصدر المشهد، ونجعل من حداثتهم في العمل السياسي المتعلق بإدارة الدولة وكأنها خيانة تلتقي مع الدوائر الإمبريالية، فالتطير منهم الذي جاء على لسان سمير أمين إذ قال (أن المواجهة بين الجماعات الإسلامية والأنظمة ليست إلا تنافساً بين قطاعات مختلفة من الطبقة الحاكمة، وهو تنافس وصراع حول السلطة سواء حدث ذلك بشكل مسلح كما حدث في الجزائر أو بشكل سياسي كما حدث في مصر) ويضيف ( أن الإسلام السياسي ليس معادياً للإمبريالية بأي شكل من الأشكال، بل أنه أفضل من يخدم الإمبريالية.. وأن الاستثناءات مثل حماس وحزب الله ليست سوى نتيجة طبيعية للجغرافيا السياسية التي تضع مثل هذه الحركات في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي)*3

    فكما يستطيع المتصيدون إيجاد هفوات وأخطاء لطيف ما، فإن القائمين عليه سيجدون ما يرمون به خصمهم، وماذا بعد؟

    جدلية دعم الإسلاميين

    أن تتكون جبهة وطنية واسعة من مختلف التيارات السياسية العاملة لخلاص الأمة، رغم ما في ذلك من صعوبات، هو أكثر نفعاً من استقواء أحد الفصائل الوطنية بقوىً خارجية سواء كانت من خارج البلاد (أي بلاد)، أو من خارج محور الثورة، فهذا سيجعل من جميع الأطراف تتنازل عن بعض عنادها في مسائل تتسم بالعقائدية، لتصنع مُركَّبًا يؤسس لنهج جدلي تتطور معه فكرة التعاطي السياسي بين أطراف تُمرِّن نفسها على العمل بأجواء التعددية السياسية.

    قد يأخذ مشوار التمرين بالتعددية السياسية سنين طويلة قد تصل الى عشرين أو ثلاثين سنة، وسينتج عن ذلك توافق حسب (محمد أسد)، يتم من خلاله عصرنة الدولة العربية والإسلامية*4، وستكون الجماهير حكما عادلا على تزكية من يفلح، ورادعاً قوياً لمن يريد تأخيرها..

    وبعكس ذلك، فإن ثمار الحِراك العربي ستذهب سُدىً، وستزيد الفرقة بين القوى السياسية، وستستغل القوى الخارجية هذا الضعف والفرقة، وتربط المنطقة باتفاقيات وديون ثقيلة تزيد من صعوبة من سيكتشف طريق خلاصها السليم مستقبلا.

    انتهى

    هوامش
    *1ـ من كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم/ تقي الدين المقريزي/ إعداد وتعليق: صالح الورداني/القاهرة: الهدف: للإعلام والنشر/ صفحة 38.

    *2ـ جرامشي ضد الإصلاحية/ كريس هارمان/ مركز الدراسات الاشتراكية صفحة 16.

    *3ـ الأخوان المسلمون: رؤية اشتراكية/ سامح نجيب/ مركز الدراسات الاشتراكية صفحة 6.

    *4ـ انظر كتاب (منهاج الإسلام في الحكم) للباكستاني محمد أسد/ نقله للعربية: منصور محمد ماضي/ الطبعة الخامسة 1978/ بيروت: دار العلم للملايين.. المقدمة وما بعدها..

    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •