هم السعداء الأقوياء

لقد تعلمنا من مشايخنا درسا نبويا وحديثا شريفا يتضمن حكمة بالغة، وذلك فيما رواه الأمام أحمد ) رضي الله عنه)عن عبد الله بن مسعود ) رضي الله عنه) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه)) “ابن حنبل في مسنده”،
وبمرور الزمن ومع تبلور الأحداث بدأنا ندرك أبعاد هذا الدرس العجيب ونشاهد شيئا من حقائقه.
فكم من عزيز اكتسب عزه من الدنيا وسرعان ما انقلبت عليه وصار ذليلا.
وكم من غني اكتسب غناه من الدنيا وسرعان ما انقلبت عليه وصار فقيرا.
وكم من قوي اكتسب قوته من الدنيا وسرعان ما انقلبت عليه وصار ضعيفا.
أما الأعزاء الأغنياء الأقوياء الذين يستمدون عزهم وشرفهم من الدين الذي يعني التحلي بالفضائل والترفع عن الرذائل والذي يدعو الى جلب المصالح ودرء المفاسد فلم تنقلب عليهم الدنيا يوما من الأيام ولم ينقلب عزهم ذلا ولا قوتهم ضعفا بل هم في رفعة مستمرة وطمأنينة مستقرة دون انقطاع، وإن ظهروا يوما في صورة الضعف والفقر فذلك يحسب لهم لا عليهم، وهذه هي الحقيقة التي أعلنها سيدنا يوسف عليه السلام الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم حينما قال: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ "يوسف33"، مع أن دلالة كلمة السجن تعني- في الظاهر- الذل والقهر والحرمان ولكنها تعني هنا العز والشرف والرفعة لأنها مستمدة من المعاني الدينية التي تعيب الخيانة وتعدها ذلا وإن كانت بمظهر عز، وترجح السجن الذي يعد في ظاهره ذلاً على قصر العزيز ذي مظهر العز، فالمرجح هو ميزان الآخرة، الذي يعد العفة عزا وإن كانت في السجن، والخيانة ذلا وإن كانت في قصر العزيز فكان القصر في الظاهر عزا وفي حقيقة الأمر ذلا لأنه لا ذل اكبر من الخيانة.
إن قارون علا في الأرض وملك ملكا عظيما وان الجماعة من الرجال الأشداء لا يقوون على حمل مفاتيح خزائنه فما ظنك بالخزائن نفسها قال تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) "القصص"، نعم إن الله لا يحب الفرحين بطرا وتكبرا.
واغتر الذين يرجحون كفة الدنيا على الآخرة وسحرتهم زينة الدنيا لما رأوه قال تعالى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) "القصص"،
ولما كان هذا الملك مستمدا من الدنيا كانت النتيجة قال تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) "القصص"،
وعندما كان عزُّ سيدنا يوسف (عليه السلام) مستمداً من الله رفعه الله من غيابة الجب وأخرجه من السجن الى عرش مصر وتحته خزائنها كلها وقيل له إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﭼ «يوسف اية54»،
وعندما كانت القوة الفرعونية مستمدة من الظلم والطغيان ووصلت الجرأة الى تحدي السماء قال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) "غافر"، كانت النتيجة أن الله عز وجل أغرقه ثم نجى بدنه ليجعله عبرة لمن يعتبر ودرسا متكررا على مدى الأيام.
بينما يرفع الله عز وجل يونس (عليه السلام) من أعماق البحار ومن بطن الحوت ليكون أسوة حسنة وقدوة صالحة لأمة مؤمنة تبلغ مائة الف أو يزيدون تنصاع الى أوامره ونواهيه وتحبه وتجله.
إن طغاة اليوم ممن يحكم بلاد المسلمين عندما صدقوا الكفار ورموا بأنفسهم وشعوبهم في أحضان من قال القران الكريم فيهم: لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) “التوبة”، وظنوا أنهم سيمنحونهم الشرعية والقوة والعزة واذا بهم يعرضونهم في سوق نخاسة العبيد ولا مشترٍي لهم فأذاقوهم ذلا ما بعده ذل وخزيا ما بعده خزي وعارا ما بعده عار وصار مثلهم كمثل الخنازير التي يربونها في حقولهم ويشبعونها ويسمنونها ليذبحوها بعد ذلك ويأكلوها، فبئساً للطاعم والمطعوم وتعسا لهؤلاء الطغاة الذين جروا الشعوب الإسلامية الى الذل والخنوع تحت مسمى السلام والديمقراطية وما شابهها من هذه الأسماء وما هو بسلام إنما هو الاستسلام.
إنها الدنيا التي أعطاها الله لمن يحب ومن لا يحب ويا ليتهم وعوا أن الله عز وجل لا يعطي الدين الا لمن يحب لأنه سلعة نفيسة وثمينة وغالية.
والحمد لله الذي قيض لنا من يعلمنا هذا الدرس عمليا حينما جلسنا بين أيدي مشايخنا الذي كثيرا ما رددوا علينا هذا الحديث الشريف (ولا يعطي الدين الا لمن يحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه) فرغبونا بالآخرة وزهدونا بالدنيا.
إن الناظر الى الأحباب في جيش رجال الطريقة النقشبندية بإزاء هؤلاء الطواغيت الذين نتكلم عنهم يدرك إدراكا جازما أن هؤلاء الأحباب هم السعداء الأقوياء، فأنت ترى واحدهم فقير المال مسكين الحال ولكنه سعيد مسرور، والسر في ذلك كونهم يستمدون قوتهم وعزهم من الله لا من الدنيا.
لقد وهبهم الله عقولا كبيرة فزينهم بها وقلوبا سليمة فجملهم بها فغدوا في أحلى صورة وأبهاها ثم أظهرهم للعالمين ومن يشك في هذه الحقيقة فلينظر الى إصدارتهم التي جاوزت المائة والثلاثين، إن الله سبحانه وتعالى خاطب العقل عندما خلقه وقال له لأزيننك بمن شئت، وقد زينه بهم، وزينهم به، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

منقول من المجلة النقشبندية العدد الثالث الخمسون