~*¤ô§ô¤*~ ربيع عربي أم خريف ~*¤ô§ô¤*~






صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 27

الموضوع: شقاء السعادة

  1. #11

    رد: شقاء السعادة

    حياكم الله أخي الفاضل في جميع الأحوال

    شاكراً لكم لطفكم وكرمكم في المرور واستحسان ما نسهم به بتواضع

    دمتم أخا عربيا ذا مشاعر أصيلة
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  2. #12

    رد: شقاء السعادة

    (24)

    تأثر عكرمة بالتجاوب السريع لوالده، في إعطاءه عشرة قروش ليتبرع بها لثوار الجزائر، وفتحت له تلك المسألة آفاقاً كبيرة للتأمل: لماذا تجاوب والده بهذه السرعة لإعطائه التبرعات وهو الذي يدقق في كل شيء؟ أين تقع الجزائر؟ وما هي العلاقة العضوية بها؟ على ماذا يثور أهلها؟


    لم يستطع رسم صورة دقيقة عما يفكر فيه، خصوصاً وأن ظلمة الغرفة التي ينام فيها وتشويش الظلال التي يشكلها خفوت الضوء المنبعث من مصباح نفطي ضاعف السنا المتراكم على بلورته من هذا التشويش، جعلت الظلال التي تتشكل من حجب الملابس المعلقة على مسامير على جدران الغرفة وكأنها أشباح ذات لون رمادي.

    كان يحاول النوم، لكن عليه أن يطمئن بأن ما قام به من تبرع يشكل عملاً مفيداً، لكن كيف سيتحقق من ذلك، ما قيمة العشرة قروش؟ وكم من متبرعٍ آخر قام بمثل ذلك؟ كم أعداد الطلبة في بلده؟ وكم بلداً عربياً أو مسلماً يقوم طلابه أو غيرهم بالتبرع؟ وكم ثمن البندقية؟

    لقد صنعت تلك التساؤلات لديه قاعدة ليؤسس لديه اهتماماً جديداً لم يكن ليهتم به سابقاً، فحفظ فيما بعد عواصم البلدان العربية وأعداد سكانها ومساحاتها.

    كان في تصرفه البسيط وكأنه يحاول التمعن بأحوال الشركة التي لا يعرف إمكاناتها بشكل جيد وساهم بها بما قيمته عشرة قروش!

    (25)

    قبل أبو صابر طلباً من أبي مناور بأن يرسل أولاده لأخذ كمية من (القُزْمُل)*1 لاستخدامه كوقود للفرن. لم يتوقف أبو صابر عند الدوافع التي جعلت هذا الرجل المتصف بالبخل أو التدبير القاسي ليكون كريماً في هذه المنحة.

    وصل عكرمة بناءً على طلب والده الى دار أبي مناور، ففتح له أبو مناور باباً لمخزن يواجه الجنوب، يعلو فوق الأرض بما يعادل قامتين لرجل متوسط الطول، ويهبط في الأرض ما يزيد عن ارتفاعه، وأخبر عكرمة بما يجب فعله.

    كانت رائحة المخزن القديم مزيجاً من تخمر الدبال وما علق على الأدوات الزراعية من روائح الحيوانات وبولها، فقد ثبتت مجموعة غير منتظمة من الأوتاد على الجدار الغربي المبني من الحجر والطين وكانت الحجارة التي مال لونها الى اللون البني الغامق ظاهرة دون تغطيتها بالطين، فعلق على الأوتاد بعض الحبال، وإطارات الغرابيل والمقاطف و(حواة) توضع على رقبة البغلة ليُثبت عليها أذرع عربة الجر أو عود الحرث أو غيره، وسرج قديم لفرس غير موجودة.

    كانت درجات الهبوط لأرض المخزن مصنوعة من صخور المكان، فكانت مقصوصة بحيث تصبح درجات، وكان جسم المخزن كله محفوراً في الصخر، ولم يكن هناك من مواد للبناء سوى الجدران الخارجية البارزة فوق سطح الأرض، وما نُصِبَ من قناطر ثلاث لتحمل السقف المكون من أخشاب وأعواد قصب وضع فوقها التبن والطين.

    تساءل عكرمة، من بنا هذا الشيء؟ هل هم من عاشوا في عصرنا؟ أم هم من أبناء الجيل الأول أو الثاني ممن نجوا مع نوحٍ عليه السلام؟ اختلطت خطوط الزمن على عكرمة، كما اختلطت خطوط المكان عندما أراد أن يتصور أين تقع الجزائر.

    (26)

    كان عكرمة يحمل أداةً لها أربعة أصابع من الحديد المُقَسى طول الإصبع حوالي قدم، تنحرف قليلاً للداخل وتلتقي في نهايتها بوَصلةٍ مثقوبة يثبت بها ذراع خشبي، تستخدم لقلب القش وتحريكه، كانوا يطلقون عليها (شاعوب)، وقد يكون اسمها مأخوذاً من تشعب أصابعها.

    غرز عكرمة أطراف الأداة في كومة (القُزْمُل) وأزاحها من مكانها، فلاحظ وجود جسمٍ أملسٍ لم يتعرف عليه على الفور لخفوت الضوء وسط ذلك المكان، فاحترز بفطرته المقترنة بالبيئة، وعاد الى الخلف ليعود ويحرك الأداة بحذر، فإذا بأفعى يزيد طولها عن طوله، ولكنها في طور سُباتٍ لم تتحرك بطريقة عدوانية بل بحركة تُشبه حركة من أكل وجبة دسمة وغفل للتو، وحاول أحدهم إيقاظه، أحضر أداة معلقة لها في رأسها سلاح مبسط حاد تُسمى (مِنساس) يستخدمها الحراثون لإزالة الطين عن أعواد الحراثة، وقطع الأفعى، ولا يدري من أين جاءت بعض القطط لتنقل أجزاء الأفعى لتأكلها. وقد لامه بعض أترابه عندما تحدث لهم عن تلك القصة، حيث قالوا أنه لو أخذها وطبخها بعد إزالة شبرٍ من جهة الرأس وشبرٍ من جهة الذيل!

    بعد أن ملأ عكرمة الأوعية المصنوعة من (الليف) من المادة التي جاء لأخذها من دار أبي مناور، وصل بعض التجار مع أبي مناور ليفتحوا بوابة لبئرٍ محفور أسفل المكان ومموه بالتبن تجنباً لوصول الرطوبة وتحسباً من اللصوص، فاستخرجوا القمح من البئر.

    (27)

    كان أستاذ التاريخ في زيارة لصابر، عندما استمع لقصة عكرمة، فابتسم وقدم شرحاً مُبسطاً لموضوع الآبار المستخدمة في خزن الحبوب، فهي لم تكن من باب الحرص من الرطوبة واللصوص فحسب، بل لها غايات أخرى، وصَمَت، حتى يجعل من إجابته المستقبلية مادة مشوقة.

    سأله عكرمة على الفور: وما هي تلك الغايات الأخرى؟

    أخذ أستاذ التاريخ نَفَساً من الهواء، ثم تناول موضوع حروب العثمانيين (الأتراك) وكيف كان وقودها من شباب وأبناء تلك البلاد، ولم يكتفوا بذلك، بل كانوا يأخذون حاصل الفلاحين من القمح لإطعام الجيوش، ويأخذون الشعير لإطعام خيولهم وبغالهم.

    من هنا، لجأ أهالي تلك البلاد للتحايل في إخفاء محاصيلهم.





    هوامش:

    *1ـ القزمل: هو ناتج تنقية التبن من العيدان الغليظة التي لا تأكلها الحيوانات، حيث يُستخدم غربال (كربال) فتحاته واسعة لينزل التبن الصالح لإطعام الحيوانات من فتحاته ويبقى في الأعلى ما كان غليظاً، تستخدمه النساء في الأفران لإحمائها.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  3. #13

    رد: شقاء السعادة

    (28)

    كما كان سكان تلك المناطق يتحايلون على استفتاء أنفسهم حول شرعية مسائل أزمعوا على القيام بها، كانوا يتحايلون في صياغة الأمثال لتكون لهم سنداً يفسر ما يحل بهم أو ما يواجههم.


    ففي الشتاء الذين يحفظون في ذاكرتهم الجمعية تفاصيل أيامه، كانوا يضعون مثلاً لكل طارئ. فإذا جاء أحد أيام شباط/فبراير مشمساً، نجد العجائز يرددن مثلاً: (شمس شباط لكناتي وشمس آذار لبناتي وشمس نيسان لشيباتي)، كما يردد أبناء الريف (شباط إن شَبَط وإن لبط ريحة الصيف فيه). ولكن إذا أرادوا تعزية أنفسهم بقلة الأمطار فسيقولون (آذار فيه سَبْع ثلجات كبار).

    ولم يكن أهل البلدة يبقون في بيوتهم إلا في حالات نزول المطر أو الثلج، فيخرجون، وليس من الأهمية أن يعرفوا لأي مكان يخرجون، أو تعريف الغرض من خروجهم. فدرجات الحرارة في الشتاء تتساوى في الخارج كما في الداخل، وقد يكتسب أحدهم من أشعة الشمس (المستحية) بعض الحرارة المجانية.

    كذلك كانت حيواناتهم، تخرج أو يخرجونها من (مرابضها) لتنطلق الى أي مكان، وقد لا يكون في الأرض إلا التراب، ومع ذلك فإن خروج حيواناتهم له معطىً أولياً، ولا ينسوا أن ينسبوا على لسان حيواناتهم بعض الأمثلة (نزهني ولا تغذيني) [ أي أن الحيوان يفضل التجوال الحر على الأكل في حالة ربطه].

    (29)

    في نهار مشمس من أيام شباط/فبراير، توقف سائحٌ أجنبي كان الفتية يركضون وراء دراجته، دون أن يتضايق منهم، توقف أمام مجموعة من الرجال وضعوا جدار المسجد الكبير في ظهورهم، وواجهوا الشمس من جهة الشرق، وتناول آلة تصويره، ليلتقط بعض الصور، لهؤلاء الرجال الذين يلتفون بملابسهم السميكة، والذين لم يكن منهم من يتكلم، ولكنهم كانوا يحدقون في الأفق جهة الشرق.

    لم يكن أحد من الرجال يعلم ماذا يدور في خلد ذلك السائح، هل كان يعتقد أن المكان هو أحد معابد من يعبدون الشمس؟ أم هل أن تلك الفرقة الصامتة تقوم بطقس من طقوس التأمل المنتمي لسحر الشرق؟

    بادر أحد الفتية الى التطوع بإرشاد السائح الى بيت الأستاذ (سامي) أستاذ (الإنجليزي في المدرسة).

    لم يكن في البلدة، فندقاً ولا مطعماً، فالزائر لها ضيف، والضيف واجب إكرامه، وهذا الواجب له سبب يجعله يرتقي من كونه واجباً ليكون مسئولية، فأهل البلدة معرضون في سفرهم الى من يستقبلهم كضيوف، فإذا نُقِل عن هذه البلدة أنها لا تكرم ضيوفها، فإنهم سيكونون عُرضة لعدم استقبالهم من قِبل الغير.

    لكن، هل هذا الأجنبي السائح الباحث عن أرض الشمس، سيحفظ لأبناء تلك البلدة تصرفهم؟ وهل سيأتي يومٌ يكون فيه مضيفاً لأحد أبنائها؟

    (30)

    أرسل الأستاذ سامي ابنه لشراء بعض اللحم من أجل عمل (المَنْسَف) لضيفه، والطلب من أستاذ التاريخ وصابر أن يحضرا للمشاركة في تناول الطعام، وفي هذه الأثناء سكب له فنجاناً من القهوة السادة، بعد أن شرب هو قبل ضيفه من نفس الفنجان (سكبة)، شرب السائح تلك الكمية القليلة من القهوة في أسفل الفنجان، وناوله الفنجان، فسكب الأستاذ مرة أخرى وناولها للسائح فشربها، وسكب له مرة ثالثة فشربها وأخبره بأنه اكتفى. ابتسم الأستاذ وقال: عليك أن تهز الفنجان لكي يعلم مضيفك أنك اكتفيت!

    دخل أستاذ التاريخ وصابر وحيا الموجودين، وجلسا قبالة الضيف، على فرشٍ وُضع على بساط صوفي قديم، ووضعت بعض (المراكي: وسائد يضع الجالس كوعه عليها)، وكان الحديث بين الأستاذ سامي والسائح، تتخلله بعض الضحكات.

    استفسر الأجنبي عن أولئك الذين كانوا يجلسون مقابل الشمس، وما هو الغرض من وجودهم هناك فأجابه الأستاذ بشرح غير مقنع فبادره الأجنبي بالقول (Just sitting?) وافقه الأستاذ أن الحالة هي كذلك.

    دخل اثنان ممن تدعوهم غرائزهم للذهاب الى الولائم دون دعوات، وجلسا صامتين، بعيون لا تلتفت كثيراً وخدودٍ متهدلة وشفتان سفليتان منتفختان ومتدليتان، كانا على دراية تامة بأنهما لن يُطردا وسيتناولان طعامهما المجاني، برفقة ذلك الأجنبي.


    كانت رائحة دهن إلية الخروف المذابة والمخلوطة ببعض البهارات تنبعث من ممرات البيت، لتذهب الى غددٍ تقع في أسفل حنكي المتطفلين وتجبرهما على إفراز اللعاب استعداداً للأكل، فكانا يداريان تشوقهما للأكل بالإيعاز للعاب بالارتفاع، لكن دون جدوى، فكان يترك لمعاناً على أسفل صفحات وجهيهما، مما دعاهما لتحريك عيونهما لتفقد ما إذا كان أحدٌ ما يراقب (شبقهما) للأكل.

    (31)

    دخل أحد أبناء الأستاذ سامي، ورمى قطعة من قماش ملبس بشيء يمنع تلوث المكان ببقايا الطعام، وفرش القطعة في المكان الذي فهمه من عيني والده. ثم عاد وأحضر قصعة واسعة من البرغل المطبوخ والذي يعلوه اللحم، واحتاط الأستاذ على شراء رأس خروف ليتربع في مركز القصعة (المَنسف)، ليوهم الآخرين أنه ذبح لهم. وفي وعاء عميق كان به اللبن المطبوخ مع (الكركم) ومرق اللحم، وضع وعاء أصغر له ذراع يتناول فيه صاحب الدعوة غرفة ويوزعها أمام ضيوفه.

    تفضلوا على (الميسور)، قال الأستاذ، فبادر صابر بالإشارة بكلمات إنجليزية غير متقنة تماماً للسائح، فهم منها أنه عليه تغيير جلسته والتهيؤ لتناول الطعام.

    لم ينس الأستاذ أن يتلاطف مع المتطفلين ويشعرهما بعدم تضايقه من وجودهما، فقام الجميع الى الطعام الذي انحصر بحيزه بين أجسامهم وانحناء رؤوسهم نحوه، فزاد من تركيز الأبخرة المنبعثة منه ومفعولها على تحريضهم للأكل بشغف.

    أحس الأستاذ أن الأجنبي قد راقه الطعام وطريقة إعداده وتناوله باليد، لدرجة أنه تربع كأبناء البلدة، وأخذ يتناول كل لقمة بتمتع وتذوق فريدين.. لكنه تفاجأ من السرعة التي نهض به المدعوون والمتطفلان، فتوقف ليسأل الأستاذ: لماذا نهضوا؟
    أجابه الأستاذ: لقد شبعوا، إنهم أكلوا بسرعة تفوق سرعتك عشرات المرات.
    فاستغرب الأجنبي: ولماذا هم مسرعون، هل فاتهم جزء من الجلوس في الشمس؟
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  4. #14

    رد: شقاء السعادة


    (32)

    فتح عكرمة بوابة منزلهم على مصراعيها، لكي يسمح لفرس (أبي نجم) الشركسي أن تدخل، فالبوابة كما هي بوابات كل منازل البلدة، لا تُفتح إلا في مثل تلك المناسبات، أو لإدخال الغلة المنقولة على ظهر الحيوانات، فأصحاب المنزل، صغارهم وكبارهم يدخلون من خلال فتحة في وسط البوابة، تكون بطول حوالي المتر وعرض حوالي الذراع وتعتلي عن عتبة البوابة بمقدار نصف متر، كان يُطلق عليها اسم (خُوِيخَة).

    قابل أبو صابر ضيفه بالترحاب والعناق، والأسئلة المتشابهة عن أحواله وأحوال عياله، وعن الموسم في منطقتهم، رغم معرفته بخصوبة منطقتهم وكثرة أمطارها.

    أنزل أبو نجم (الخُرج) عن فرسه، واستخرج منه بعض أمتعته، وأقراصاً كروية الشكل، من جُبن (الكشكوان) الذي يصنعه من حليب أبقاره الكثيرة في أحد قرى (الجولان).

    خرج أبو صابر ليوعز لزوجته بتحضير طعام الغداء لهذا الضيف الثمين، فقامت بدورها بأمر عكرمة أن يمسك باثنين من الديوك الستة ذوات السبعة أشهر.

    حاصر عكرمة وأحد أترابه من أبناء الحارة الديوك، التي كانت تتمتع بحيوية عالية لخفة وزنها وطبيعة تربيتها، فكانت تناور بالهرب من مكان لمكان حتى دخلت تحت لوح من الخشب يستخدم لدرس وطحن القش فأمسك مع صاحبه باثنين منها، وأحضرها لوالدته التي كانت قد أوشكت على غلي الماء لتغمس به الديوك بعد ذبحها لنتف ريشها وتنظيفها.

    (33)

    وزع عكرمة وقته بين الجلوس القليل في ديوان أبيه ليستمع الى كلام لم يفهمه بشكل جيد، وبين الركض في اتجاهات غير معلومة على وجه التحديد مع صاحبه، ثم العودة لمراقبة أمه التي كانت تُعد طعام الغداء.

    كان أبو نجم، قد فقد ثلاثة رؤوس من الأبقار، وهي ليست المرة الأولى التي يفقد فيها مسروقات من أبقارٍ وجِمالٍ، فمزارعه واسعة، وحيواناته كثيرة، والطامعون يجدون أحيانا فرصة لسرقة بعض تلك الحيوانات. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يستعين فيها أبو نجم بأبي صابر في البحث عن مسروقاته، فالشركس كما هم العرب لا يهمهم كم يدفعوا لقاء الكشف عن مسروقاتهم، حتى لو كان مجموع ما يدفعونه يفوق قيمة المسروق، فالمسألة عندهم تُحسب على وجه مختلف.

    خرج أبو صابر، في طلب أحد أبنائه ليذهب لدعوة برهان العقر، ليتناول الغداء مع الضيف، ولمشاورته في موضوع البحث عن المسروقات. فقد كان لكليهما خبرة في تقصي البحث في مثل تلك الحالات. كانت لهما معارف في خريطة لصوص الحيوانات في دائرة لا يقل قطرها عن مئة كيلومتر، وإن تخطت السرقة تلك الدائرة، فيلجئون للاستعانة بمن يتبادل معهما الخبرات.

    (34)

    دخل برهان العقر الديوان محيياً ومبتهجاً بالمفاجأة التي وجدها عند صديقه، وكان صوته مرتفعاً ومخارج حروفه تتناسب مع طوله الفارع، وعباءته الشقراء، التي فقدت بهائها من قِدمها، كان رغم سنين عمره السبعين، يبدو قوياً لا يستخدم عكازاً ولا يحني ظهره، وبقي في فمه مجموعة الأنياب بالإضافة لبعض الأضراس، في حين سقطت ثناياه، وكان هذا يؤثر على مخارج الحروف، لتبدو السين قريبة الشبه من الشين، وتحيط بالصاد هالة من (الرجيج) بفعل أثر التبغ الذي يتناوله، ويؤدي الى سعلات غير مكتملة.

    كان أسئلة برهان العقر عن وقت فقدان الأبقار ومتى اكتشف فقدانها، وهل بحث أبو نجم عنها في المناطق المجاورة، وهل هو يثق بمن يعمل لديه، وهل داهمت المنطقة ذئاب أو ضباع، وبمن يشك، كل تلك الأسئلة كانت تنم عن خبرة ضرورية للإقرار له بمهاراته.

    وبعد أن أجاب أبو نجم عن كل أسئلة برهان العقر، جاء دور أبي صابر ليسأله هل موسومة الأبقار بنفس وسم أبي نجم، وهل قرونها كاملة، وهل عليها (أرسان) وما هو وصف كل رسن، ثم أسئلة تخص اللون والبقع التي تتخلله الخ.

    (35)

    أطرق عكرمة عندما عاد ما تبقى من طعام بعد أن تناول من بصحبة أبيه غدائهم، وعندما لم يجد أي قطعة من اللحم، أو حتى بعض العظام، تساءل: هل كُتب علينا أن ننظف الحقول والبيادر لإحضار أعلاف تلك الديوك، دون أن يُسمح لنا بتذوقها نهائياً؟

    إن أبا صابر شأنه شأن رجال البلدة الذين يتنقلون بين البلدات، يكرمون ضيفهم ممهدين الطريق لإكرام أنفسهم عند سفرهم، فهم مكرمون في بيوتهم ومكرمون في بيوت من يحلوا ضيوفا عليه. أما الأطفال وأهل البيت فعليهم الاكتفاء بنكهة الدجاج أو اللحم التي تعلق بحبات البرغل، ومن يدري فلعلها تعلق بلعاب بعض هؤلاء الضيوف.

    تساءل عكرمة هل طعم لحم الدجاج يختلف عن طعم (المصران) الذي تناوله ووضعه على قطعة من حديد فوق الجمر، فكان طعمه مزيجاً من الجلد المحروق وبعض بقايا العلف غير المهضوم!
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  5. #15

    رد: شقاء السعادة

    أستاذنا الكريم لك الشكر على هذه المواصله الممتعه لهذا السرد الرائع الذي يحاكي واقع ما
    زال يترك أثره على كثير من سلوكياتنا في هذه الأيام وكأننا لا زلنا نعيش تلك الأيام
    مره أخرى أنحني أحتراماً لشخصكم الكريم أستاذنا عبد الغفور الخطيب

  6. #16

    رد: شقاء السعادة

    أخي الفاضل محمد علي بن رفيع

    تحية عربية صادقة

    من منا لا يحمل في ثنايا وعاء عقله جيوباً تزخر بتفاصيل ذاكرة كثيفة؟ الكل يثقل كاهله مثل تلك التفاصيل.. وهناك من يخجل منها، وهناك من ينظر لها وكأنها تحصيل حاصل لكل حياة شخص أو فرد أو مواطن، ولكن القليل من ينظر لها من زواية كونها حاضنة لما شكل دوافع أو روافع لما تمر به أمتنا من واقع راهن. والأقل من أولئك من يتجرأ لتدوين ما قد يكون عاملاً مشتركاً بين شرائح واسعة من الأمة، ليستخلص ما يكمن وراء اللامبالاة أو وراء خطوات طفت على السطح وأخرى اختارت الاحتجاب والغياب ..

    هي محاولات لا أظنها ترتقي لمصاف الأعمال الأدبية لمحترفين مصنفين ..

    ولكن ما يجعلها ذات قيمة، هو أن يكون هناك من يتابعها من أشخاص فضلاء أمثالكم..

    احترامي وتقديري
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  7. #17

    رد: شقاء السعادة

    (36)

    لم يشأ أستاذ التاريخ، أن يسأل صابر عن وجهة ذهابهما، فمثل تلك الأسئلة لا لزوم لها، في أماكن لا يكون للوقت قيمة كبيرة.


    صعدا في طريقهما الى (تل) يتوسط البلدة، كان الناس في العهود القديمة يقبرون موتاهم فيه، وكان بعض سكان الأجيال القديمة، يسكنون في كهوفٍ صنعوها بحفرهم آباط التل، ليستخرجوا الحجارة منها ليستخدمونها في بناء واجهات لتلك الكهوف أو (المساكن)، ويبدو أنهما اختاروا تلك المنطقة لسكنهم تجنباً للفيضانات، واحترازاً من أخطارٍ يعيقها مثل ذلك الارتفاع.

    لم يتمسك أهل البلدة في ملازمة هذا المكان وفاءً لأجدادهم، وربما لم يكونوا من أجدادهم، وهذا ما يفسره سلوكهم في البحث عن الذهب أو اقتلاع الحجارة من ذلك المكان ليكملوا به أبنيتهم في مناطق تبعد عنه. وكثيراً ما كان يصادفهم أن يعثروا على عظامٍ أو جماجم، يرمونها كما يرمي آكل (كوز) الذرة ما تبقى منه. فهم لا يعرفوا على وجه الدقة إن كان من سكن تلك المنطقة أغنياء أم فقراء، ولم يعرفوا ولا أظنهم يريدون أن يعرفوا إن كانت تلك العظام والجماجم لقائدٍ يوناني أو مملوكي.

    وربما يكون احتقارهم لذلك المكان هو ما جعلهم يستخدمونه ك (مزبلة) يرمون فيها فضلاتهم التي جل مكوناتها الرماد فقط. فزادت مخلفاتهم المكان ارتفاعاً فوق ارتفاعه.

    كان الناس وقت فراغهم ـ وما أكثره ـ أن يرتادوا ذلك المكان ليتربعوا فوق ترابه المسود من أثر الرماد والمتماسك من كثرة ما يجلس فوقه هؤلاء. كانوا يمارسوا فوقه رياضة الصمت والهدوء والنظر الى ما سيصل له بصرهم. ويركز كل واحدٍ منهم على نقطة بعيدة، وكأنه في وضع مراهنة مع آخرين لإطالة وقت التحديق بنفس النقطة دون كلام. ولو مر من أمامه (فيل) ـ وهو مستحيل في تلك البقعة ـ لاخترق بصره حجم الفيل دون أن يلفت انتباهه.

    في جو مثل ذلك، يتساوى من يلقي التحية مع من لم يُلقها، انزوى صابر في مكان يبعد عدة أمتار عن مجلس الرجال، وأومأ لأستاذ التاريخ أن يجلس أو يتربع كما فعل.

    حاول أستاذ التاريخ أن يلحق ببصره المجال الذي يركز فيه الرجال، عله يعثر على ما يشد انتباههم، لكنه أخفق، فلم يكن أمامه من على التل المرتفع، إلا مروج خضراء تتموج بفعل النسيم الدافئ وتبدو من على بعد وكأن اصفراراً اختلط مع خضارها.

    كان يحاول أن يلتقط بعض العبارات التي تخرج من أفواه هؤلاء الرجال، لكن دون فائدة، فالصمت طاغٍ على عباراتهم، وقد يختتم أحدهم نوبة تحديقه في الأفق بلفظ الجلالة موحداً أو داعياً.

    اقترح أستاذ التاريخ على صابر أن ينزلا من على التل ويتوجها الى الحقول المترامية شرق البلدة، فوافقه ونهضا.

    (37)

    لفت انتباههما صياح رجلٍ يركب فرساً ويتدلى من تحته (خُرْج) مصنوع من صوف الأغنام الملون بالأحمر والأصفر والأسود، فتوجها نحوه، إذ كان يجري بينه وبين مجموعة من الفتية جدالٌ صاخب.

    كان (السندياني) وهو من غير أهل البلدة أصلاً، ولكنه سكن فيها على إثر رحيل له من بلدته الأصلية بعد نزاعٍ وإراقة دماء ونحو ذلك. كان قد اختار لنفسه مهمة حارس الحقول (المْخَضِر)، لقاء أجرٍ يأخذه على شكل حبوب في نهاية الموسم (بعد الحصاد)، ولم يكن أحدٌ ليعترض على تطوعه هذا، ولم يكن هناك من وقع معه عقد عمل، وكان يفعل نفس الشيء في رمضان، إذ يحمل طبلاً ويوقظ النيام ليتناولوا طعام السحور (مسحراتي)، ليأخذ في نهاية الشهر الكريم ما تجود به الأنفس.

    سأله أستاذ التاريخ: ما بال الفتية يا عم؟
    ـ وجوههم باردة، يتراكضون بين أعواد القمح، ويكسرونها..
    صاح أحد الفتية: لا تقل وجوهنا باردة، احترم نفسك، نحن أحرص على عيدان القمح منك، هذا الحقل لوالدي ونحن نبحث عن نبات (الكزبرة البرية).
    ـ حتى لو كان لوالدك، فالأمانة تقتضي أن أحرس الحقول حتى من أصحابها!
    ـ يا سلام، لا يكون أنك تفتكر نفسك أستاذاً.
    تدخل صابر ونهر الفتى وأمره بالمغادرة.
    أراد أستاذ التاريخ أن يطيب خاطر السندياني: بارك الله بك يا عم، هل تعلم يا صابر كم عمر تلك المهنة؟
    ـ لا والله .. ليس عندي علم بذلك، لكني وعيت على الدنيا وأنا أرى السندياني يقوم بها، ولم أسمع أن هناك من أبناء البلدة من يعترض عليه. بالعكس فقد سمعت شيوخ البلد يأمرونه بضرب من يخالف التعليمات حتى لو كانوا من أبنائهم.
    ـ يُقال أن تلك المهنة من أيام السومريين، وأهميتها تكمن ليس في حراسة الحقول من الأغنام والرعاة، وإنما حراسة حتى الأراضي (البور ) من الرعي فيها.
    ـ ولماذا حراسة البور؟
    ـ إنه لا يحرس الأرض البور، بل يحرس النباتات الرعوية فيها، ولو تُركت الأغنام ترعى في الأراضي البور قبل تكوين الأزهار والبذور لنباتات الرعي، لاختفت النباتات المستساغة وانقرضت، وعندها لن يبقى في الأرض إلا النباتات الرعوية سيئة المذاق وقليلة الفائدة.

    ابتهج السندياني من كلام أستاذ التاريخ، وقال: ما أحلى العلم وما أسوأ الجهل، هاتِ فهم هؤلاء الجهلة ـ يقصد الفتيان ـ الله يكمل هذه السنة على خير، المطر انقطع منذ أكثر من أسبوعين .. اللهم أسقنا الغيث.

    (38)

    عندما دخل صابر الى ديوان والده، وجد زوج عمته جالساً، فانحنى نحوه وقبله، كان زوج عمته رجلاً بديناً قصير القامة، وجهه مليء باللحم، وشعر لحيته قصيراً أبيضاً ومتباعداً، ليس به غزارة، ولم يكن ممن يحلقون ذقونهم بشكلٍ دءوب ولا هو ممن يربون لحاهم، وكانت شفته السفلى غليظة، لا تطبق على أختها العليا، فيبدو من خلالها صف أسنانه الأسفل ظاهراً ومصفراً، ليتناغم مع تهدل لحم خديه للأسفل، وأنفه المكور الضخم.

    كان قليل الكلام، ونادراً ما يزور بيت أبي صابر، كما أنه على خلافٍ دائمٍ مع شقيقيه اللذين يشبهانه لحد كبير.

    أزاح برأسه متوجهاً نحو صابر، وثبت عيناه على وجهه، ثم سأله: ألن تعود الى جامعتك قريباً؟

    انتبه أبو صابر، فأرسل نظرته الى صابر، ليتحالف استغرابهما حول هذا الاهتمام المفاجئ. فهما يعرفان الرجل جيداً، لم يُسعف محتاجاً في يوم من الأيام، ولم يستدن حتى من شقيقيه إذا ما اضطرته الحاجة، بل يذهب الى (نصراني) في بلدة قريبة يرهن عنده قطعة أرض ويستلف بعض المال، وقد تنازل له عن الكثير من أرضه، وعمل له كجالبٍ للزبائن.

    عندما يريد الله أعود للجامعة، أجابه صابر.
    توجه الآن بنظرته الى أبي صابر، بع له قطعة أرض (العوصلانة الفوقا) ودعه يكمل دراسته.

    توقف الحديث بعدما دخل برهان العقر بطوله وهيبته ولهجته المحببة، بعد أن حياهم بصوت عالٍ، قال: هات البشارة يا أبا صابر لقد عثرت على أحد أرسان أبقار أبي نجم الشركسي.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  8. #18

    رد: شقاء السعادة

    أستاذنا الموقر لك الشكر على ما تجود به يداك من هذا النسيج الذي ما فتق ينقلني الى
    ماضٍ لكم حننت أليه وأنا أقراء كلماتك هذه .
    وفعلاً كما تحدثت لربما نستطيع أن نصل الى تكوين الفكره السليمه للأستفاده من هذه القصة الرائعه.
    أستاذنا تبقى دائماً من أروع الكتاب الذين قراءت لهم
    وأسمح لي أن أشارك بما تجود به يداك في منتدى
    يخص أبناء العشيره {عشيرة السواركة بن رفيع}
    لأنني أفتخر بما تسطره يداك.
    ولأن العشيره منقسمه جغرافياً الى قسمين قسم يوجد
    في الوطن الأم (فلسطين) وقسم في الشتات
    أردت من خلال نقل مشاركاتك الى هذا المنتدى
    أن أضع بين يدي أبناء عشيرتي أروع ما وقعت عليه عيناي من تسطير لواقع عشناه جميعاً بحلوه ومره.
    مع التنويه لشخصكم الكريم
    من خلال ذكر أسم صاحب الموضوع الحقيقي
    ولك جزيل الشكر
    أخوكم
    محمد علي بن رفيع

  9. #19

    رد: شقاء السعادة

    الأخ الفاضل محمد علي بن رفيع

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    كل مرة تطوق عنقي بكرمكم، وتجعلني أحس بأنني مدينٌ باستمرار لمن يفضلون علي بتوقيرهم لي ..

    شرف عظيم لي أن يكون هناك من يستحسن مثل تلك المساهمات المتواضعة. ولا تشاورني في شيء تحس أنه قد يطلع عليه آخرون، حتى لو لم تذكر اسمي، فهذا مصدر فخر لي ويتماشى مع رسالتنا

    وفقكم الله وأدام إحساسكم بعروبتكم
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  10. #20

    رد: شقاء السعادة

    (39)

    كعادته، تطوع (إعْوَيِد) لمرافقة (عكرمة) في رحلته لجمع الحشائش، ورغم أنه يكبره بسنتين ولا يجمعه به صلة قربى، فكان من أكثر أصدقائه الملازمين له في لهوه وجده.


    امتطى الفتيان حماراً أسود اللون ضئيل الحجم، يتناسب حجمه وطاعته مع عمريهما، وكان تحتهما (بردعة) يعلوها كيسٌ ضخم من الخيش أخذاه ليملأنه بالعشب بعد أن سمح (السندياني) للناس بذلك.

    لم تستطع الشمس التغلب على الغيوم المتكاثرة، فكانت تبدو بينها كشيخ عنين يراود امرأته دون جدوى. ومع ذلك كان الطقس دافئاً في مظهره الخارجي، بارداً في حقيقته، دون أن يحس الفتيان ببرودته.

    لم تكن مشية الحمار توحي بأنهما سينجزان مهمتهما بسهولة، فكان يضع رقبته على امتداد ظهره، وعيناه بين المغمضتين والمفتوحتين، والوقت الذي استغرقه للوصول الى الحقل لجمع الحشائش، زاد عن ساعتين.

    استغل (إعويد) ذلك الوقت في سرد قصصٍ خيالية، منها ما نسبها لنفسه ومنها ما نسبها لوالده، وكانت معظم قصصه تأتي على إثر رؤية مشهدٍ أمامهما في الطريق، فكان يركب القصة، وهو مطمئن أن (عكرمة) لن يعترض عليها، فقد كان يجلس خلفه على ظهر الحمار، متشبثاً في أطراف البردعة أحياناً، أو ممسكاً بأحد يديه برفق بخاصرة (إعويد).

    عندما أقبلا على وادٍ ليس بالسحيق كثيراً، كانت الجهة المقابلة لهما يزيد ارتفاعها عن بناية من أربعة طوابق. اخترع (إعويد) قصة: أنه ذات يوم، عندما وصل لتلك المنطقة برفقة آخرين لم يذكر أسمائهم، كان هناك رجلٌ أشعث الشعر طويل القامة، رشيق الحركة، شبه عارٍ، يصعد ذلك السفح للوادي ووجهه باتجاه الوادي بسرعة تفوق سرعة السحلية، ثم يعود راكضاً للأسفل ويكرر صعوده ونزوله، لم يهتم عكرمة بتلك القصة ولم يسأله أي سؤالٍ حولها يبدي اندهاشه أو تكذيبه.

    كانت عينا عكرمة تراقب حشرة (الجعران) السوداء التي بحجم حبة الزيتون، تدفع كرة من روث المواشي يفوق حجمها حجم الجعران بعشرة أضعاف، وكان الجعران يسير باتجاه الخلف، ورأسه باتجاه آخر، فابتسم عكرمة وقال في نفسه لعل الجعران هذا هو من جنود الرجل الأشعث الذي تحدث عنه (إعويد).

    (40)

    أكمل الفتيان جمع الحشائش ووضعاها داخل الكيس الضخم، ولم يخطر ببالهما أنهما لن يستطيعا رفع ذلك الكيس فوق ظهر الحمار.

    وبعد أن أكملا تشبيك فوهته بالخيوط الثخينة، أبرقت السماء وتلا برقها صوت رعد مخيف وكأنه انفجار مدوي. سحبا حمارهما الى (قحفٍ) بجانب التل، ليحتميا من الأمطار التي انهمرت بغزارة مبالغ فيها، عل أن تلك السحابة هي من سحابات الربيع المتأخر التي سيتوقف مطرها قريباً.

    لم يسأل عكرمة صاحبه عن سبب حمل علبة ثقاب في جيبه، خصوصاً أنه استعملها في إشعال كومة من الأشواك والحشائش الجافة التي تركها أناس كانوا يشعلون النار لسبب ما.

    كان الدخان المتصاعد من الأشواك الرطبة، قد تحالف مع ظلمة الجو الخارجي الممتلئ بالغيوم السوداء، ليشكل خلفية للهب المتصاعد بشُعَبٍ تتراقص وكأنها جنيات، وهذا ما استفز (إعويد) لابتكار قصص جديدة تتناسب مع المشهد.

    فقال: ذات يوم ونحن نلعب (الاستغماية) في الحارات القديمة، وجدنا رجلاً طويلاً يضع على كتفيه عباءة سوداء، ويعتمر (كوفية) بيضاء فوقها (عقال) أسود، سألناه عما إذا رأى فتية مروا من هنا، وما أن انتهينا من تكملة السؤال لم يكن هناك رجل.

    نظر عكرمة الى وجه صاحبه الذي لا يتوقف عن الكلام، ثم تناول عوداً من الحطب الرفيع، وأخذ يقلب به النار، ثم لمح أن السماء انقشعت وتوقف المطر.

    (41)

    حاول الفتيان حمل الكيس ليرفعانه على ظهر الحمار، لكن دون جدوى. ولم يقتربا من فكرة أن يتخلصا من قسمٍ من الحشائش التي في داخله، فابتكر (إعويد) طريقة لحمل الكيس على ظهر الحمار.

    عكرمة، سأضع رجلي بجانب ساق الحمار الخلفي، وقم أنت بدفعه بكل قوتك مرة واحدة، دون أن ينتبه الحمار.

    وافق عكرمة على ذلك، بعد أن أجبرا الحمار على الاقتراب من الكيس الممتلئ، فدفع الحمار فإذا به يسقط على الأرض. قرصا الكيس بواسطة عصا القيادة التي كانت بيد إعويد، فإذا بالكيس الضخم يستقر فوق ظهر الحمار. لكز الحمار لكي ينهض لكنه لم يستطع النهوض، عاوناه بوضع كتف كل واحدٍ منهما تحت طرفي الكيس، مع نهر الحمار وتشجيعه على النهوض، فنهض.

    سار الحمار، ببطءٍ شديد، والبخار يخرج من فتحتي أنفه، ولهاثه بات مسموعاً، في حين باراه الفتيان كلٌ من أحد الجانبين، وهما يحسان بإنجازٍ عظيم.

    كف (إعويد) عن سرد القصص، وركز اهتمامه في منع الكيس من السقوط، خصوصاً عندما اقتربا من وادي الرجل الأشعث.

    لم يكن يخطر ببالهما أن الأمطار التي انهمرت ستجعل السيول تندفع الى بطن الوادي لتجعل مهمتهما أصعب في اجتيازه، خصوصاً وهذا الحمل الثقيل الذي فوق ظهر الحمار. غاصت أرجلهما في ماء الوادي ولم يكن يباليا في أن الماء علا سيقانهما لفوق ركبهما، المهم أن يبقى الحمل فوق ظهر الحمار.

    (42)

    تجمعت النسوة من الجيران وأهل الدار، لتنبش محتويات الكيس، وتتناول تلك النباتات التي لكل واحد منها اسم تعرفه النسوة، فهذه (حويرة) وهذا (مرار) وهذه (دريهمة) وهذه (كريشة) وكل نبات يجد طريقه الى أفواه النسوة.

    التفت عكرمة الى النسوة ولم يقل شيئاً، بل مضى الى داخل الغرفة لتبديل ملابسه المبللة.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

المواضيع المتشابهه

  1. أختاه هل تريدين السعادة
    بواسطة خطاب في المنتدى المنتدى الشرعي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-10-2008, 08:14 AM
  2. اين السعادة ؟
    بواسطة خطاب في المنتدى المنتدى الشرعي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-09-2007, 08:49 AM
  3. لا بطاقة بعد اليوم انها الحرية انها السعادة
    بواسطة حجي بطاطا في المنتدى منتدى قضايا الساعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-02-2005, 07:37 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •