~*¤ô§ô¤*~ ربيع عربي أم خريف ~*¤ô§ô¤*~






صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 41

الموضوع: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

  1. #11

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    اللهم آمين

    أشكركم أخي الفاضل على متابعتكم الكريمة

    .. أعلم أن هذا النوع من النشاط الذهني قد يثير الجدل
    لكنه في جميع الأحوال يحوي بين ثناياه ما يولد المواقف
    محليا وإقليميا وعالميا ..

    فالإطلاع على هذا النوع من الأعمال لا يخلو من فائدة لمن
    ينشد ثقافة متماسكة ..

    نسأل الله أن يثبت علينا إيماننا بعقائدنا الدينية وما يتوافق معها
    من ثوابت لنصرة أمتنا ..

    تقبل احترامي و تقديري
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  2. #12

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل التاسع: ما بعد الأحكام المسبقة ..

    قدمه: روبارتو سيبرياني و ماريا مانسي .. أستاذان في جامعة روما ..

    الثقافة والأيديولوجيا

    منذ أن اخترع الفرنسي (ديستيت دي تراسي ) مصطلح الأيديولوجيا عام 1804 كعلم الأفكار، والمصطلح يتذبذب بين مؤيد له كواقع ثابت، كماركس وإنجلز وبين من استنكره واعتبره ضربا من الميتافيزيقيا التي لا حدود لها ولا تعريف واضح، وكان نابليون أول المهاجمين لمخترعي هذا النمط من النشاط الذهني.

    كما أن الثقافة هي الأخرى لم تسلم من اجتهاد في تعريفها، ولا تزال حتى اليوم لا يستقر لها تعريف. وكان أول تعريف أنثروبولوجي للثقافة على يد (تايلور) إذ عرفها قائلا: (الثقافة أو الحضارة في معناها الاثنوغرافي الواسع هي هذا المجموع المعقد الشامل للمعارف وللمعتقدات وللأخلاق وللعادات ولغير ذلك من جميع الاستعدادات والعادات التي يكتسبها الإنسان بما هو عضو داخل مجتمع ما).

    لقد انتقينا هذه المقاربة من مساهمة العالمين الإيطاليين للتمهيد لما سيقولان في موضوعهما الذي حمل العنوان (ما بعد الأحكام المسبقة).

    الاختلاف الثقافي

    عندما نحلل الثقافات والعلاقات الاجتماعية نعثر على عناصر معينة ترتبط بالوظائف الأيديولوجية وما يتبعها من عدم تسامح يظهر في مظهر سياسي. وهذا سيؤدي لتكوين أحكام مسبقة عن مجتمع أو دين أو عرق. وهذا ما يحدث إزاء نظرة الآخرين للعرب.

    حالتان نموذجيتان

    لقد درس (هال Hall) و (وايت Whyte) على سبيل المثال، دلالات نبرة الصوت والمسافة والزمن. ففي مرات كثيرة يفسر أشخاص منتمون الى ثقافة مختلفة ما يفعله غيرهم تفسيرا خاطئا: ( إن ساكن العربية السعودية يخفض صوته حتى كأنه يكلم شفتيه تعبيرا عن احترام من هو أعلى منه مرتبة، كشيخ الجماعة مثلا).

    فإن حصل لنا أن نخاطب أحد الأثرياء الأمريكيين بهذه الطريقة، فإن هذه الطريقة تجعل التخاطب مستعصيا تماما. فمن منظور الحضارة الأمريكية، لما يرفع المتكلم صوته يترقب بطريقة لا شعورية من مخاطبه أن يرفع صوته بدوره، لذلك فإن الأمريكي يتكلم بصوت مرتفع دائما. هذا خلاف واضح في النمطين، لا يجوز بناء موقفنا من تصورنا لمن يخالف نمطنا.

    النموذج الثاني: الإلحاح في منطقة الشرق الأوسط. فإن أراد أحدهم إصلاح سيارته، سيمر على المصلح عدة مرات في اليوم أو الساعة ليبين له أنه على دراية بما يقوم به ذلك المصلح، هذا السلوك موجود في العالم العربي في مختلف المجالات، في حين أنه في بلاد الغرب يعتبر عيبا.

    التسامح وعدم التسامح: المباعدة الاجتماعية

    قد نجد أشخاصا موصوفين بالتسامح، ينقلبون فجأة لغير متسامحين، وتتوه القدرة على تصنيفهم، لماذا انقلبوا؟ إن هذا يحدث عندما يتواجد الفرد داخل جماعة مستفحل فيها الفصل الثقافي، كوجود أشخاص يناصر بعضهم البعض عندما يتعرض أحدهم لغمز من طرف مجموعة ثقافية مختلفة. (هذا يحدث بوجود أشخاص ينتمون لقومية داخل وسط مغاير لقوميتهم: مجموعة عربية داخل مجتمع فرنسي في المهجر، أو مجموعة كردية داخل مجتمع عربي، أو أبناء إقليم أو مدينة داخل مجتمع مغاير الخ).

    العلاقة الثقافية

    إن السلوك الثقافي المتبادل (الما بين ثقافي) مشروط بالدور الذي تؤديه الأطراف المتقابلة أكثر مما هو مشروط بمشاعر الأفراد. وبالتبعية من الواجب الانتباه للأشخاص الذين يلعبون أدوارا يشتركون فيها مع ثقافات أخرى.

    يورد الباحثان حالتين للتدليل على قولهما السابق. في جريدة (لوموند) وتحديدا في 25/9/1981 في الصفحة الخامسة تورد خبرا (أصدرت الحكومة التونسية منشورين حجرت بمقتضاهما على النساء حمل الخمار الذي له صبغة طائفية)

    في 28/9/1981 أي بعد ثلاثة أيام نطالع في الصفحة الثالثة من الجريدة عينها (أنه يُمنع على النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب دخول المطارات في إيران).

    إن المراقب من خارج الدائرة الإسلامية، سينظر للواقعتين بطريقة تعود الى الزاوية السياسية (الدعائية) في تفسير الدين، وهذا ليس له علاقة بنمط الثقافة العامة للمجتمع بالقدر الذي تريد الدولة تفسيره.

    الوحدة والتنوع في الثقافة

    يجوز التسليم بفرضية التنوع داخل الوحدة، كما يذهب الى ذلك معظم فقهاء المسلمين، مستندين الى قواعد (الناس يتساوون عندما يركعون أمام الله في صلواتهم، وليس في ذلك فضل لعربي على عجمي) [ هكذا ترجمة النص: ومن المؤكد أنه كان يقصد أن الناس سواسية كأسنان المشط الخ الحديث].

    ويقال أيضا إنهم متساوون دائما في الحقوق والواجبات، في حظوظ العمل وأمان العيش، في العدل وفي الوضع المدني. وتؤكد الثقافة الإسلامية (أن الإسلام لا يكتفي لا بتعداد مظاهر الإخاء الإنساني ولا بإدانة التمييز العنصري بشتى صوره، وإنما يقدم لنا أمثلة واقعية مستقاة من حياة النبي (صلوات الله عليه) وصحابته وخيرة التابعين له (يعتمد الباحثان على دراسة قدمها عبد العزيز عبد القادر كامل لليونسكو طبعت في باريس عام 1970).

    لكن هناك من يرى أن الاضطرابات التي مر بها سواء الماضي الإسلامي أو الماضي المسيحي، لا تعني باللزوم نهاية نسق ما، وإنما على العكس هي التي تجيز له ديمومة التغير: التغير نسبة الى نفسه ونسبة الى الآخرين ونسبة الى العالم.

    لكن تجميع الأجزاء في الكل لا يلغي التعددية بل على العكس تماما، إنما يشترط تعاونا بين كل الهويات الثقافية. وهذا ما يؤول الى التسامح.

    النزاع الثقافي وفهم الذات الجماعي

    إن التسامح لا يَصْدُق بين الشرق والغرب فحسب، وإنما على تحول ثقافة ما من ثقافة تقليدية الى ثقافة أخرى أكثر رقيا وعالمية. هذا ما استحضره (فون غرونباوم) في الآثار الأدبية لأحمد أمين (حياتي) وهيكل (مذكراتي) و طه حسين (الأيام)، فما جاء بمذكراتهم لا يهتم بالتغريب الثقافي بل بالنزاع الثقافي داخل الإسلام.

    هذه المسألة أشار لها (فون غروبناوم) عن أولئك الذين يتعايشون مع العرب، لكنهم لا يقبلون بسيادتهم القومية عليهم (أكراد، أمازيغ، مصريين مسلمين) لكنهم بنفس الوقت لا يريدون التنازل عما اكتسبوه من حضارة إسلامية أسس لها العرب.

    خاتمة

    لا يزال هناك في أوروبا وأمريكا وإفريقيا من يلصق بالعرب صفات سلبية كالتعصب وتكاد لفظة (عربي ـ متعصب) أن تكون واحدة.

    إن التحيز في سرد الأحداث يساهم مساهمة بالغة في إبراز سلوك العرب والمسلمين في مظهر سلبي عدواني متعصب.

    إن الدعوة التي أطلقها (أنور السادات) لحوار الأديان الثلاثة (في سيناء) تدعو الى التسامح الديني. ولكن لماذا الحديث عن أديان ثلاثة؟ ولماذا الحديث عن الأديان حصرا؟

    ربما لأن الأديان تُجَوِز لنا أن نعرف الآخرين. ولكن وعلى نحو ما قال تودروف:
    (لن نتوصل أبدا الى أن نعرف الآخرين. .. فسيان أن تعرف الآخرين أو أن تعرف ذاتك، فهما شيء واحد)
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  3. #13

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل العاشر: صورة الآخرين كخلفية لتصور الذات في المجتمع الروسي ..

    قدمته: آنا أندرينكوفا : أستاذة في معهد البحوث المقارنة ـ موسكو


    تتسم مساهمة الكاتبة ـ هنا ـ بأنها جاءت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فتحمل في طياتها سمات التحرر والانطلاق من الرقابة الموجهة التي كانت سائدة قبل تفكيك وانهيار الاتحاد السوفييتي. لكنها في الوقت نفسه، ركزت على ربط الجانب السياسي مع الاجتماعي، ربطا لم نلحظه في كتابات من سبقها. صحيح أن الكاتبة قد أخذت النموذج الروسي في بحثها، لكن البحث يمكن أن ينسحب على غير روسيا.

    أولا: إطلالة تاريخية على الدراسات في السياسة الخارجية.

    في السابق، كان اهتمام علماء الاجتماع يأخذ السياسات الخارجية للبلاد من منطلق القوالب المجترة والجاهزة. لكنه في الستينات من القرن الماضي (ال20) انكبت الدراسات الاجتماعية في هذا المضمار على دراسة العلاقات الدولية، فتناولت الدراسات أثر العوامل النفسية في العلاقات الدولية. إلا أن دراسات الستينات لم تكن لتشير ولو مجرد إشارة عابرة الى مفهوم القيمة، ومفهوم التوجهات الأكسيولوجية (نظرية القيم) ومفهوم الثقافة السياسية.

    ويمكن تصنيف نظرية القيم التي انتشرت في نهاية الستينات الى صنفين: الأول يعني بالإشكالية العامة لمفهوم القيم. والثاني: يعني بتحليل نتائج الاستفتاءات والاستمارات الشعبية بهدف تبيان التوجهات (القيمية) في ميادين محددة مثل قيم العمل والقيم السياسية والقيم الأسرية وغيرها.

    ثانيا: ما هي توجهات السياسة الخارجية؟

    ستقتصر الباحثة بحثها على النموذج الروسي. فتقول: تتشكل الثقافة السياسية من جملة من العناصر الفعالة نخص بالذكر منها: مساحة بلد من البلدان، وإمكاناته الاقتصادية والسياسية، وموقعه الجغرافي، وقوة البلدان المجاورة له ومساحتها وتجاربها التاريخية في التعامل مع غيرها من الشعوب، وأثر كل ذلك في السلوك السائد فيها.

    ثالثا: مكانة التوجهات السياسية الخارجية في نسق القيم الشخصية.

    تتحدد قدرة الوعي الجماعي على التحقق من المسلمات الأيديولوجية بواسطة الاختبار والتجربة في حقل الحياة الاجتماعية. غير أن الوعي الاجتماعي ليس بحوزته (مصفاة) يمكن بواسطتها تنقية وتعديل والحكم على السلوك في السياسة الخارجية. وتتدخل هنا التجارب الفردية أو القيم الأيديولوجية أو القوالب الجاهزة التي تمارسها النخب (من الدولة والمجتمع) على الإملاءات الموجهة للمواطن المتلقي في الداخل.

    رابعا: صورة الغرب القومية

    يعود مفهوم الصورة القومية التي يحملها الفرد (أي فرد) عن انتمائه القومي الى مصدرين اثنين: الأول قديم تمثل في الدراسات التي تناولت الشخصية القومية والصور القومية على أيدي مفكرين كبار. فهم في أوروبا (مثلا) مونتسكيو وهردر. وتطورت هذه الدراسات الى ما وصلت عليه. والثاني: حديث نسبيا بدأ مع مطلع القرن العشرين، حملت معها في مختلف بقاع العالم رؤية جديدة لتلك القضية، فحولت مراكز ثقلها الى مواقع مختلفة. وكانت روسيا والروس معها مواضيع دراسات تتناول البحث في الأسباب والمنابع القيمية والنفسية التي تكمن وراء التوجهات الاشتراكية والعقيدة البلشفية.

    خامسا: صور الآخر ودورها في بناء الوحدة النفسية الاجتماعية.

    كيف يتكون الشعور بالاندماج؟ ما هي أسس اندماج (الأنا) في الجماعة؟ من الشروط الأولية لبناء وحدة بسيكولوجية اجتماعية هو (إنشاء صورة الآخر). فبفضلها تتحقق نزعة الفرد الى خلق انشطار بين (نحن) و (هُمْ) .

    بعد هذا التسلسل تحاول الباحثة إسقاط ما تناولته على استفتاء قام به معهد الدراسات الاجتماعية المقارنة (موسكو) مع الجمعية الأوروبية لدراسات الأنظمة (الأكسيولوجية : أي القيمية) بين عامي 1984 و 1991 وشملت 1270 شخصا تفوق أعمارهم 18 عام.

    لن نطيل في تحليل تلك الدراسة، لكننا سنذكر الأسئلة التي شملتها عن بعض الشعوب :


    هل الشعب الفلاني أهل ألفة اجتماعية؟
    هل هم جادون في عملهم؟
    هل هم صادقون؟
    هل هم مُلَطِفون؟
    هل أخلاقهم حسنة؟
    هل هم محبون للسلم؟
    هل هم أهل ثقة؟
    هل هم أثرياء؟
    هل هم مثقفون؟

    50% ممن تم استفتاءهم أجابوا ب (لا أعرف) وكانت تلك الإجابة لأكثر من شعب، بما فيهم الشعب الروسي نفسه، وكذلك كانت الإجابة عن تصور الروس عن شعوب اليابان والولايات المتحدة وإنجلترا .. فكيف يستطيع شعب تحديد صورته عن شعب آخر وهو لا يستطيع تحديد صورته نفسها؟

    إن هذه الدراسة تبين لنا أن من يرسم صورة الآخر، ليس الشعوب، بل النخب الرسمية وغير الرسمية.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  4. #14

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل الحادي عشر: الإنسان والزمن ـ الآخر .. الزمن بين أسياده وعبيده ..


    قدمه: جيندريخ فيليباك .. أستاذ في جامعة براغ ـ تشيكيا

    شعار نهاية التاريخ يخيم على العالم: إنه شعار ما بعد الحداثة. ما يُعاين أولا هو أن الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الشبان والكهول والمسنين، بين الزمن المعيش والزمن الواقعي، هي حدود آيلة الى الزوال شيئا فشيئا. ومع انمحاء هذه الحدود ينمحي تدريجيا معنى الفعل الإنساني ليخلي المكان لموقف آني ذي نزعة نفعية: التمتع بكل شيء هاهنا وعلى التو. ((أن نعيش الهنيهة الحاضرة هو أمر دوما عسير، ولكن لا مناص لنا منه. إن الشخصية المتفردة التي نصبو إليها لا يمكن أن تتحقق إلا في "الآن" المعيش ... وما دمنا نعيش هذا "الآن" وهذا "الهُنا"، وما دمنا نعيش هذا الحاضر، فإننا نكون أسوياء)) [ اقتبسه الكاتب من أقوال غيره ـ ألماني اسمه رينير زول].

    ((لكل واحد منا شفرته (كودته) ولكل واحد منا صيغته الخاصة، ولكل واحد منا أيضا "منظره" الآني (Look) ولكل واحد منا صورته، حتى لكأننا بهذا "المنظر" منظر تكويني)) [ اقتبسه الكاتب من أقوال فرنسي اسمه جان بودريار].

    أولا: أزمة تصور الزمن

    تتأتى الأزمة الراهنة التي يشهدها تصور الزمن من المغالاة المجحفة التي تطبع (سيرورة) الزمن، أي في نهاية المطاف تخصيص الزمن على (الأنا وحده). أي تأويل الزمن من وجهة نظر ذاتية (فردية) أو ذاتية (جمعية) ..

    ليس هناك في الزمن نقطة صفر مطلقة، فميلاد الشخص له هالة من الاعتبار للشخص نفسه ينظر من خلال تأريخها الى ما قبل ولادته وما بعدها، نظرة لا تعني شيئا بالنسبة للآخرين. كذلك فميلاد السيد المسيح عليه السلام يعني لمجتمع المسيحيين وأبناء الديانة المسيحية مالا يعنيه عند غيرهم، فهو بالنسبة لغيرهم يوم من الأيام.

    كل (ما بعد) له (ما قبله) وكل ما بعد سيصير الى (ما قبل) بعد اكتشاف ما يبهت صورته البهية. ولو استمعنا لأحاديث أناس مختلفين لوجدنا:
    أحدهم يقول: الماضي أفضل مما نحن فيه.
    وآخر يقول: المستقبل سيكون أفضل من الحاضر.
    وواحد يقول: إن ما موجود اليوم ليس بعيدا عما كان موجودا في السابق.
    فيجيب الزمن: أنتم جميعا لا تسلمون بوجودي أنا
    [ اقتبسها الكاتب من فيلسوف صيني اسمه Lu Xun عام 1918]

    ثانيا: أسياد الزمن وعبيده

    ليست مناقشة تصور الزمن مسألة أكاديمية تهم حفنة من الفلاسفة، بل جميع الناس، فعليها يتوقف فهم القضايا الأم التي تواجهها الإنسانية. إن أزمة تصور الزمن واستخدامه تعتمل في قلب عالم يتطور فيه متوسط عمر الإنسان ويتقلص وقت العمل .

    كان متوسط أعمار الرجال بين عامي 1950ـ 1954 (العالم: 44.8 سنة ، البلدان المتقدمة 63 سنة، البلدان النامية 40.3 سنة) وبين عامي 1990 و 1994 كان (العالم 61.1 سنة، والبلدان المتقدمة 71.2 سنة والبلدان النامية 59.5 سنة).

    وخلال عقد من الزمن (1980ـ 1990) تقلصت مدة العمل بالسنين من 45 سنة الى 38 سنة، ونسبة الى العام الواحد من 307 أيام الى 250 يوما، وبالنسبة الى ساعات العمل من 10 ساعات الى 8 ساعات.

    تبين بعض البحوث الجادة أنه على الرغم من تمديد وقت الفراغ، فإن قسما مهما من السكان يشكو من نقص في الوقت ومن شعوره بالضيق تحت وطأة الحياة العصرية المتقلبة داخل التجمعات السكنية الكبرى على وجه الخصوص.

    لكن ورغم ما يسمى بالعولمة التي ننتقي وظيفة لها هنا بتطلب الحلول المتشابهة لكل مشاكل العالم، فلا يجوز أن نكتفي بفرحنا في تهدم جدار برلين، في الوقت الذي تقام فيه جدران مختلفة في أنحاء متفرقة من العالم. وعليه فإن نظرة الناس للزمن المستقبلي تختلف من مجتمع لآخر ومن شريحة لأخرى.

    إن الشرائح الاجتماعية الوسطى تؤجل إشباع حاجاتها الى وقت لاحق. في حين تنزع الشرائح الدنيا الى إشباعها في الوقت الحاضر. أما الأغنياء فيستحوذون توا على كل شيء ويستمتعون به. إن الناس المنكبون على اللحظة الراهنة هم أولئك الذين يجدون أنفسهم مدفوعين نحو مستقبل رسمه لهم غيرهم من الناس. إن المهن غير المؤهلة وغير المتخصصة لا تتطلب من المعارف المكتسبة مسبقا إلا النزر القليل. أما المهن ذات التأهيل الراقي، فتتطلب الأمرين معا (أي المعارف والقدرة على التوقع).

    إن كل حقبة من الزمن، وكل أمة وكل فرد له منظوره الزمني المخصوص: فالبعض يقيس الزمن بمقياس (النانوثانية : أي جزء من مليار من الثانية) في حين هناك أقوام لا تحتاج لشراء الساعة ذاتها، ما دامت وتيرة حياتهم لا تحتاج إليها.

    ثالثا: تملك الزمن في مفترق الطرقات

    من حسن الحظ أن الأزمة ليست تفككا فحسب، وإنما هي أيضا تربة خصبة منها تنبثق إمكانات الانطلاقة الجديدة. ففي أحيان كثيرة لما تشتد الأزمة توفر الشروط لميلاد الأفكار الجديدة والقوى الكفيلة بحلها. والأمر هو عينه بالنسبة لتصور الزمن:
    1ـ ليس من الممكن للإنسان أن يصير سيد الزمن بلا نهاية، أي أن يصير سيد الطبيعة، من دون أن يدرك أن ما يأتيه من أعمال لا معقولة (كإهلاك الغابات الطبيعية) من أجل الربح الوفير والسريع سيؤدي الى حدوث كوارث بيئية تلحق الأذى بالسيد وسيادته.

    2ـ كما أن المرء لا يمكنه أن يكون حرا عندما يدوس حرية الآخرين، كذلك لا يمكنه أن يكون سيد زمانه عندما يفتك بزمن الآخرين.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  5. #15

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل الثاني عشر: أصل الشغف بالآخر لدى حركات الأنتلجنسيا الطلائعية في أوروبا..

    قدمه: جوزي أنطونيو غونزاليس آلكنتود.. مدير مركز البحوث الإثنولوجية في جامعة غرناطة ـ إسبانيا ..

    عندما ندرس التيارات التاريخية والفنية والأدبية بأجيالها المتعاقبة في أوروبا نعاين أنها عاشت ضربا من الزهد الفكري باعتباره تحررا من الموانع القسرية التي يقيمها المجتمع البرجوازي، لتنخرط في عالمها الاجتماعي. وقد جاء التحرر من تلك القيود والموانع على ثلاث دفعات: التحرر الأول الذي تعزى نشأته الى التحليل النفسي (الفرويدي) على أيدي السرياليين*1 ومن بينهم (دالي). والتحرر الثاني انخرطت فيه معظم التيارات ومن بينها النزعات الدادائية*2 والتحرر الثالث: هو التحرر من الشكل، وقد انتشر هذا اللون من التحرر عند أنصار التجريد الهندسي المتمثل بأنماط الأبنية الحديثة وما صار يدخل في عالم تصنيع السيارات والأجهزة وحتى الملابس.

    من هنا وصف (إريخ كاهلر) ذلك بقوله: (لم يعد اللاوعي مجرد موضوع تتقصاه أفعال الوعي الاستكشافية، وإنما هو مستحوذ على العمل الفني وصار مشرعا للإبداع الفني)

    (1)

    أحست الطلائع الثقافية الأوروبية بعدم الاطمئنان لواقع الحضارة الغربية، فانبثقت لديها الحاجة لوجود (آخر) ذو نزعة بدائية، ليكون النشاط ضد هذا (الآخر) مصدرا لإلهام جميع الحركات، فكانت حالات الشغف بالاستشراق للتعرف على الوجه المتوحش والبربري للشرقي. فكانت تظهر أبحاث أوروبية مطولة تتحدث عن زيف الأقنعة التي تصنعها القبائل الإفريقية، ودخلت خطوط الأقنعة في لوحات الفنانين الغربيين كما دخلت ولا تزال في تصور أشكال أبطال الأفلام الخيالية والرسوم المتحركة.

    (2)

    لقد أشار (هيالسنبيك) أحد الدادائيين، الى أهلية من يريد أن يتكلم عن غيره من الشعوب الى أن يكون ذو (دربة) والدربة هنا هي المران [ أو الخطيطة بلغة ريف حوران، حيث تكون آثار الأقدام واضحة على أرض غير معبدة أو مزفلتة، فتكون الآثار هي الدليل للآخرين أن يمشوا على أثر من قبلهم في الخطيطة].

    ويبالغ أحدهم(أنطون آرتو) في وصف إمكانياته بقوله: (بعد انتظار، مكثت على حالي، فلم أرجع بعد الى نفسي) يشير هنا الى كيفية عيش حياة من نذر نفسه لدراستهم.

    لقد رأينا آثار تلك الأعمال الفكرية، في الأفلام السينمائية التي انتشرت في القرن العشرين، فلم يأل كاتب القصة أو المخرج أو مجهز العمل السينمائي بالأزياء والأدوات والمساكن الخ، في تصوير الآخر أينما كان بالطريقة التي انطلقت في مراحل التحرر التي ذكرناها، سواء تكلموا عن الهنود الحمر (في أفلام الكاوبوي) أو تكلموا عن بلاد الغرائب، كما أنهم لم يوفروا جهدهم في تصوير الديانات التي لا يكنون لها احتراما، وقد ساهمت تلك الأعمال الفنية والإعلامية في تأسيس خطوط الرسم الحضاري التي تكلم عنها (صاموئيل هانتنغتون).

    مع اندثار الحركات الطلائعية ذات الوجود الصوري وزوال اهتمامها بالآخر، صارت مسألة (الآخر) تنطرح في حقلي الفلسفة والسياسة).

    وبعد سنين طويلة جاءت مرحلة تصفية الاستعمار، أنكر بعض الكتاب الغربيين على الغرب نزعته المركزية الشاملة فقال (فانون) : (لم تعد التهمة موجهة فقط الى أصحاب البنوك، والى أصحاب الشركات المتعددة الجنسية، بل الى المبشرين ورجال التعليم والكتَاب الغربيين والسياح أيضا).

    (3)

    إن الشغف بالآخر مثله مثل الشغف بالذات يطرح نفسه في الدوائر المثقفة وهو خال من البراهين الكلية. فالشغف بالآخر كان بالبداية خياليا وموهوما، كما كان مقصورا على حقل الاستشراق. لقد تحول الحب الذي يكنه الغربيون للشرق الى إيهام خيالي بوجود جنات شرقية ذات مصداقية جغرافية وتاريخية، وبالتالي فإن الشغف بالشرقي هو أولا وقبل كل شيء صفة من صفات النخبة.

    (4)

    النتيجة من الصور السابقة، هو أن تحول الخطاب الغربي الى نهج مليء بأخطاء تدخلت في شكل السلوك السياسي. وفي الحقيقة أن الصور المتكونة ـ حتى عند النخب ـ ما هي إلا هراء لا قيمة عملية له. وهذا قاد وسيقود الى أن يتوارى هذا الخطاب تحت التراب وانحلال الخطاب نفسه وتفككه. لأن ذلك كما أسلفنا هو نتاج النخب الحالمة.

    انتهى القسم الأول


    هوامش
    *1ـ السريالية "أي ما فوق الواقعية أو ما بعد الواقع" هي مذهب أدبي فني فكري، أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، وزعم أن فوق هذا الواقع أو بعده واقع آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور، وهو واقع مكبوت في داخل النفس البشرية، ويجب تحرير هذا الواقع وإطلاق ما مكبوت فيه وتسجيله في الأدب والفن.

    *2ـ الدادائية: حركة فكرية فنية انبثقت في سويسرا عام 1916 لمعاداة الحرب العالمية الأولى والحروب بشكل عام، ولم يعرف أحد أصل اشتقاق الكلمة، إلا أنها كما يبدو من نشاط القائمين على تلك الحركة شبيهة بلفظ (دادا) عند بعض المناطق العربية التي تقال للطفل، فهي تعبر عند أصحاب الحركة لطلب الأمان والسلام والابتعاد عن الحروب.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  6. #16

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    القسم الثاني: ما وراء الحدود: نظرة العرب الى الآخر ..

    الفصل الثالث عشر: الآخر في الثقافة العربية ..

    قدمه: الطاهر لبيب (المحرر للكتاب)

    يستخدم الكاتب هنا مصطلح الثقافة العربية، دون (الثقافة العربية ـ الإسلامية)، التي لا يرى الكاتب مبررا للربط بينهما، بزعم أنهما بعدان مختلفان، فعندما يقال أن الإسلام ثقافة المجتمع، فليس هناك إضافة، كالقول عن الثقافة المسيحية في المجتمع الأوروبي، أو الثقافة البوذية في المجتمع الهندي، وأن إضافة إسلامي للمجتمع العربي المعاصر، هي صنيعة من صنائع المستشرقين لغايات معينة.

    ويعتبر بحث الكاتب أطول بحوث الكتاب، حيث يقع فيما يزيد على الأربعين صفحة، وهو أول البحوث الواقعة في القسم الثاني من الكتاب، ومن الصعوبة بمكان الزعم بأنه في المقدور أن يقدم هذا البحث في حلقة واحدة، أو أنه يقدم دون المساس بترابط المعلومات فيه.

    المشهد الأول

    لقد تناول الباحث دوافع الرحلات العربية الى أوروبا في العصر الحديث مبتدءا برفاعة الطهطاوي (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ومارا ب (محمد بلخوجة التونسي) في (سلوك الإبريز في مسالك باريس الصادر عام 1900). ثم يتناول الباحث ما قدمه (حسن حنفي في جدل الأنا والآخر).

    يذكر الباحث أن الصورة تكون حاضرة عند الزائر أو الرحالة أو المكتشف، دون أن تنتظر تقديم الصورة لنفسها، فكولومبس عندما اكتشف أمريكا أصر على أن الشعب الذي قابله هو (هندي!) وأبقوا صفة (الهنود الحمر) على سكان تلك البلاد الى اليوم.

    وهذا يحدث أن إسقاطات الكاتب أو المدون تلازم ما يكتب عنه، فمن يكتب عن الحيوانات (كليلة ودمنة) تكون صفة الأنسنة وعقل الكاتب ظاهرة فيما يكتب. ومن يكتب عن شعب يزوره، يحاكمه وينتقده ويصوره ضمن مفاهيم من يكتب، فرفاعة الطهطاوي مثلا، عندما يخرج من القاهرة حيث يسميها الناس هناك باسم (مصر) فإن باريس لديه هي (فرنسا) [أول رحلة للطهطاوي كانت 1826]. وهنا تحدد (الأنا) جغرافية الآخر.

    كما أن التداخل التاريخي لمن يزورون الغرب أو يتعاملون معه، هو من التعقيد بمكان، فنحن عندما نتذكر التاريخ الهجري بأننا في القرن الخامس عشر وفي التاريخ الميلادي القرن الواحد والعشرون، يتهيأ للبعض أننا نتخلف عن الغرب بما يزيد عن ستمائة سنة.

    الذات العربية (الأنا العربية) تعرب الآخر، هنا يذكر الكاتب ما توصل إليه (حسن حنفي) في إظهار الآخر وكأنه أحد المحتويات للأنا العربية، سواء من حيث اللغة (كما تناوله الطهطاوي في ترجماته الفرنسية للعربية).

    من الذي اخترع الآخر: الشرق أم الغرب؟

    كما أن الغرب هو من اخترع شرقه، فإن الشرق هو اخترع غربه. ويتطير العرب من تناول الغرب (المستشرقين بالذات) للصورة التي يقدمونها عن الشرق والعرب بالذات، فيصفون الغرب بالتحامل على الشرق وعلى المسلمين والعرب، وينتقون فقرات مما يقدمه المستشرقون على صفحات الكتب والجرائد والتقارير والأفلام السينمائية والتلفزيونية. لكن العرب لا ينتبهون الى ما يكتبونه ويصورونه عن الغرب، ولو انتبهوا وقارنوا ما يكتبون عن الغرب لرجحت كفة ما يكتبه العرب من سوء الغربي عما يكتبه الغربي عن مساوئ العربي.

    لقد انتقى الكاتب جزءا مما كتبه (فؤاد زكريا) بمجلة (التبيين/ الجزائر 1992) واختار مثلا تونسيا دارجا (اليهودي إذا ما لقيت ما تعمل له اعفس على ظله).

    إن كان العرب يستنكرون على الغرب أن يقول عنهم ما يسوءهم، فهم يتغاضون عما يقولون عن أنفسهم، ففي كتابات ابن خلدون عن العرب ما يتفوق على ما قاله الغرب عنهم. وإن كان هناك من سيقول: أن ابن خلدون كان شاهدا على خفوت حضارة العرب فكانت كتاباته تأخذ ذلك الشكل الغاضب، فإن كتابات حديثة كالتي كتبها (حسين احمد أمين) في جريدة الحياة في 28/10/1997 صفحة 19، حيث قال: (العرب في واقع الأمر شعب لا يحسن غير التشدق بالكلمات).

    ثانيا: المشهد الثاني

    تعود المستشرقون، وعودوا غيرهم على استعمال المقابلة بين الإسلام والغرب، وبدرجة أقل بين الإسلام وأوروبا. وهي مقابلة في أحد أطرافها يتواجد المضمون الديني، في حين يكون في بعض الأحيان سياسيا أو جغرافيا.

    تساءل بعض الفلاسفة والمفكرين: عن سر الخلاف بين المسلمين والمسيحيين في مواقفهم تجاه بعضهم، أشار البعض أن توجه المسيحيين الى معرفة الإسلام ليس مرده التسامح المسيحي، لأن الإسلام كان أكثر تسامحا. كما لم يكن الغاية منه الأخذ عن المسلمين، لأن هذه المسألة انتهت منذ الحروب الصليبية، فلم يبق عند العرب والمسلمين ما يتفوقون فيه على المسيحيين من علوم وغيرها.

    هذه النظرة كانت لدى المسلمين في السابق، حيث أن حضارتهم كانت الأرقى في العالم، فماذا سيأخذون من الغرب؟

    يستنتج من يبحث في هذه المسألة بأن حب المعرفة هو ما يدفع الغرب الى التعرف على الحضارة العربية والإسلامية. في حين أن العرب والمسلمين في الوقت الحاضر يتعاملون مع الغرب للاستزادة من علومه.[الباحث هو:برنارد لويس].

    عمق الحضارة العربية هو وراء اهتمام الآخر

    رأى (بروديل) أن الإسلام هو قبل كل شيء وريث الشرق الأدنى بثقافاته واقتصادياته وعلومه القديمة (حضارات وادي الرافدين والنيل واليمن والشام) ويؤكد أن قلب الإسلام فضاء محصور بين (مكة والقاهرة وبغداد ودمشق).

    هذه النظرة يتشارك فيها معظم فلاسفة التاريخ (أوزوالد اشبنغلر وأرنولد توينبي)، لذا فإن التعرف على الحضارة العربية (كآخر) للغرب، يعني التعرف على حضارات تورثها العرب وانسيابها في سلوك أهل المنطقة واحتلالها مكانة في بواطن الثقافة.

    إن الرجوع الى الجاحظ (868م) والى التوحيدي (1010م) والى صاعد الأندلسي (1068م) يؤكد ثوابت هذه الصور المنمطة وتأسيس النظرة للآخر من زاوية (عربية).

    العرب يتعاملون مع الآخر الدخيل بمنتهى الدقة

    كان المسلمون (العرب) ولوقت طويل أقلية في البلدان التي حكموها، فضلا على أن العرب في بلاد العرب (العراق، سوريا وحتى إيران) لم يعتنقوا الإسلام حتى القرنين الثاني والثالث الهجريين. ومع ذلك اشترك غير المسلمين في ترسيخ أسس النهضة العلمية (ترجمة، طب، فلك). ومما يذكر أن عامل هشام بن عبد الملك على العراق قد بنى لأمه (النصرانية) كنيسة. وأن من أعجب الظواهر في أيام العباسيين الأوائل أن تفتح مراكز تبشيرية للنصارى في الهند والصين تحت رعاية الدولة العباسية الأولى( تاريخ العرب: فيليب حتي ص 424).

    لقد انتبه العرب لأثر الدخيل منذ الفتنة بين المأمون والأمين، وعلموا أن الدخيل (غير العربي: الأعجمي) ممكن أن يساعد في إثارة الفتن بين العصبيات العربية لإضعاف مكانتها في الحكم, وهو ما أصبح يطلق عليه (الشعوبية).

    ثالثا: المشهد الثالث: الآخر يصبح غربا

    لا تطول الذاكرة تجاه (الآخر) غير (الغربي) فالتعامل مع المغول بتاريخهم وغزوهم للعراق وتدميرهم للدولة العباسية، ضاع أثره والحقد على من قام به، بعد أن اعتنق المغول الإسلام وذابوا بين شعوب المنطقة. في حين تبقى النظرة ممزوجة بالحقد تجاه الغرب الذي (استعاد) حكم إسبانيا والبرتغال (الأندلس) وتبقى ذاكرة الحروب الصليبية قائمة.

    وقد كانت الحروب الأخيرة مثالا قائما على ما نذهب إليه، فبالرغم من اشتراك الكثير من دول العالم في العدوان على العراق، فإن ما يتذكره أو يذكره المواطن العربي هو الدول الغربية، ولا يذكر كوريا أو اليابان أو جورجيا، ويتناسى مساعدة العرب للغرب في غزو العراق، لأن مساعدتهم طارئة والثابت الآخر هو الغرب وحده.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  7. #17

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل الرابع عشر: صورة الإفريقي لدى المثقف العربي: محاولة تخطيطية لدراسة (ثنائية قبول/استبعاد) ..

    قدمه: حلمي شعراوي .. مركز البحوث العربية ـ القاهرة .

    يشكل موضوع (السود) في الثقافة العربية مشكلة كبيرة لا تختلف كثيرا عن تلك التي تحيط بموضوع المرأة. فهو موقف مرتبك بين الاعتذار عن السلوك تجاه هاتين المسألتين انطلاقا من سماحة الشرع والتعامل الديني الإسلامي مع هذين الموضوعين بشكل إنساني يشهد الجميع به حتى أعداء الإسلام، وبين موقف أو مجموعة مواقف مستمدة من التراث العربي قبل الإسلام وغيره من الروافد التي ورثتها الأمة.

    أولا: إيضاحات تعريفية:

    1ـ يحس العرب بأن لسانهم الذي نزل به القرآن، وكتبت به العلوم الشرعية واللغوية والتطبيقية سواء بأيديهم هم أو بأيدي من دخل الإسلام من غير العرب، يعطيهم الحق في إسقاط نظرتهم لمختلف المسائل على غيرهم من الأمم التي دخلت في دين الله الذي نزل بلسانهم! ومن بين تلك المسائل ما يخص نظرتهم للزنوج والأحباش وغيرهم، التي تكونت لديهم قبل دخول العرب في الإسلام.

    2ـ سوسيولوجيًا، ترتبك النظرة العربية بين القبول والاستبعاد للآخر الإفريقي، ولن يصمد تفسير السلوك (التصويري) العربي تجاه الإفريقي أو الآخر المسلم، الذي حث الله عز وجل في كتابه على اعتباره أخا، كما حث الرسول صلوات الله عليه على مثل ذلك. وفي نفس الاتجاه يميل العربي لقبول الآخر المسلم (عجمي، إفريقي، كردي) في حالات الإنجاز العلمي أو الفلسفي أو العسكري (ابن سينا، الفارابي، يوسف ابن تاشفين، صلاح الدين الأيوبي).

    من ناحية أخرى، تمتلئ الثقافات العربية أو المترجمة بتبرير السلوك المتعالي لعرق تجاه آخر، اليونانيون والبرابرة (أي غير اليونانيين الواقفين على حدودهم)، المكتشفون الأوروبيون لأمريكا وسلوكهم مع الهنود الحمر، الإيطالي الشمالي ونظرته لأهل جنوب إيطاليا. وقد تحدث عن ذلك باقتدار وتفصيل كل من (جرامشي) و(إدوارد سعيد).

    3ـ قد يكون ما كتبه ادوارد سعيد حول هذه المسألة الأحدث والأشمل والأوسع إجابة عن ما هو معروف ب ((الثقافة الامبريالية))، حيث يتحدث عن أنماط من الكتابات الأوروبية وخطابها الاستشراقي أو نحو نظرتها الى إفريقيا والهند، إن مجموعة المؤلفين الذين اختارهم إدوارد سعيد ليكتب عن كتاباتهم يؤكون فيها أن استعمار بلادهم لغيرها كان من أجل نقل الحضارة لها، وعندما يكون الحديث عن رفض تلك الشعوب للاستعمار وثورتها ضده وردة فعل الغرب في قمع تلك الثورات، فإن الكتاب يقولون: ( إنهم برابرة .. ليسوا مثلنا .. ولذا يستحقون أن نحكمهم ونجبرهم على القبول بنا كأسياد عليهم)! (كونراد) .. وكونراد هذا، معروف بأنه معادٍ للإمبريالية!

    4ـ إن علاقة ما ذكر سابقا بالكيفية التي ينظر العرب فيها الى الآخر، هي أن العرب كانوا في عينة من الوقت ينظرون الى غيرهم من الشعوب التي حكموها بأن حكمهم لتلك الشعوب رحمة لها وإنقاذا لها من جهلها. وبغض النظر عن صحة تلك المعلومة من عدمها، فإن تلك النظرة عاشت ولا زالت تعيش في نمطية تفكير المثقفين والكتاب العرب، ومن يطلع على أدب (الرحلات) سيجد أن الرحالين العرب ينظرون الى المناطق التي زاروها وفق ما ذكرنا.

    ثانيا: ظروف تأسيس الصورة: صراع/استبعاد

    كان لمجاورة الحبشة (إثيوبيا) لبلاد العرب الدور الكبير في تأسيس صورة الإفريقي عند العربي. وخصوصا أن الاحتكاك العربي الحبشي استمر زهاء سبعة قرون، بدأت قبل ميلاد المسيح عليه السلام بقرن من الزمان، وقد وجد ما يدل على ذلك في نقوش أكسومية تعود الى (مملكة الشجرى الأثيوبية) قبل المسيح بقرن، حيث نجد أن الملك الحبشي يذيل اسمه وتوقيعه ب (ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة وسلع وتهامة)*1 وانتهت بإحلال الفرس والروم محل الأحباش المستعمرين والحاكمين لجنوب جزيرة العرب (اليمن) والطامحين في محو رموز العربية في الشمال (مكة ـ وغزو أبرهة الأشرم).

    ويذكر الجاحظ في كتابه (فخر السودان على البيضان)*2 على لسان الزنج أنهم قالوا: (نحن قد ملكنا بلاد العرب من الحبشة الى مكة وجرت أحكامنا في ذلك أجمع، وهزمنا ذا نواس وقتلنا أقيال حمير، وأنتم لم تملكوا بلادنا.

    وبعد أن اندثرت قوة الأحباش وتشتت جموعهم، تحول كم هائل منهم الى عبيد أو مقاتلين مستأجرين لتجار مكة ومن حولها، وقيل لقد أعتق الزبير بن العوام وحده ألفا من العبيد الأحباش*3

    لقد اتسمت معاملة العرب للسود بالتجاهل وليس بالعداء أو الاحتكار والتفاخر عليهم. فلم يجد أي باحث في المعلقات السبع ما يشير الى ذكر السود بسوء أو انتقاص.

    ويشير التاريخ أن السود لم يكن منهم شعراء كثر ويذكر التاريخ منهم أربعة أو سبعة، إذ أن الشعر كان له وظيفة النطق بلسان الشاعر عن قومه أو قبيلته، في حين أن السود إن نظموا الشعر لا يذكرون قبائلهم ولا يقولون: نحن بل (أنا) وهذا ما نلاحظه بشعر عنترة و خفاف بن ندبة وسليك ابن السلكة وأبو عمير بن الحباب السلمي.

    فهذا عنترة يقول:
    ينادونني في السلم بابن زبيبة .......... وعند صدام الخيل بابن الأطايب

    ويقول في موضع آخر:
    وأنا الأسود والعبد الذي .......... يقصد الخيل اذا النقع ارتفع
    نسبتي سيفي ورمحي وهما ......... يؤنساني كلما اشتد الفزع

    ثالثا: عصر الإمبراطورية العربية ـ الإسلامية :
    قبول/استبعاد


    أحس العرب أنهم قاموا بتأسيس ما يشبه (العولمة) في إمبراطوريتهم الواسعة، والتي لم يكن للعرب ذكر في اسمها، ولكننا نناقش تلك المسألة في لحظة معاصرة وبأدوات تقييم متأثرة بما يدور حولنا.

    حقا كانت السمة الإسلامية سائدة على وصف تلك الإمبراطورية، لكن لم تختف من تلك الأجواء المفاخرة العرقية، ففي حين كان يشعر العربي بأن الفضل في تأسيس أركان تلك الإمبراطورية يعود له وحده، دون مشاركة أقوام أخرى من غير العرب، فهم من هدموا أركان الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية دون مشاركة أحد.

    بالمقابل، فإن أقواما أخرى تتطير من إلصاق العروبة بالإسلام على النحو الذي يبرز دور العرب بشكل استثنائي، بل تذهب تلك الأقوام الى أبعد من ذلك حينما تربط التطور العلمي والأدبي والفلكي والفلسفي بما أتت به كأمم اعتنقت الإسلام ولها ماض حضاري عريق (الفرس) أو كقوى لها دورها في الفتوحات العسكرية وتثبيت حدود وشكل الإمبراطورية، (ترك، كرد، أمازيغ).

    هذا الأمر جعل العرب يزيدون من تفاخرهم، وإرجاع فضل تلك الثورات العلمية لهم هم كحاضنة أو رافعة هيأت لجهد المجتهدين. ومن يشكك بهذا القول رماه العرب بوصف (الشعوبي).

    لنعد الى الأفارقة، وطبيعة التعامل العربي معهم:
    لا شك أن ما مررنا عليه لوصف النظرة العربية تجاه الآخر الأفريقي، هو من الأهمية بمكان، بحيث أن مناطق إفريقية سوداء دخلت في الإسلام وتحت كنف الدولة المركزية لكنها لم تحظ بقدر كاف من الرعاية لها، وهذا من وجهة نظر الأفارقة آت من الإهمال المتعمد أو الشعور بالتعالي أو الاثنين معا. والأفارقة محقون بذلك، فقد عرف العرب مثل ذلك السلوك على أيدي الأتراك، عندما اعتنوا بحواضرهم وأهملوا حال المدن والقرى العربية.

    مستويات متعددة من موقف الدين أو وصفه للسود:

    1ـ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات 13)(الدعوة للالتزام بالمساواة بين المسلمين)
    2ـ الناس سواسية كأسنان المشط .. .. لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى (تأكيد موضوع المساواة)
    3ـ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (يوسف 2) .. تخصيص للعربي
    4ـ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة 24) أحقية الفاتح على المهزوم.
    5ـ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه(آل عمران 106).. و (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (الزمر 60) و (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا) النحل 58


    إن تفسير تلك الآيات من لدن العلماء لم يشفع كثيرا في إزالة بعض الأذى الذي يلحق بالسود.

    كما أن تلك القصة التي تظهر بالتوراة وتتناقلها كتب التاريخ العربي من أن (حام) جد السود كان ينظر الى عورة أبيه (نوح) عليه السلام وقد وشى (سام) بذلك لأبيه فدعا عليه بأن الله (يسود وجهه)!

    لقد كتب أستاذ إفريقي مجتهد هو (آرشي مافيجي) عن تلك النظرة المتوطنة عند غير السود تجاههم شيئا جميلا يهمنا منه ما أطلق عليه: القيمة الاستعمالية (Use Value) وهو مصطلح استبدل به مصطلح (فائض القيمة) في الكتابات الاشتراكية.

    سنكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  8. #18

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل الخامس عشر: جدل الأنا والآخر: دراسة في تخليص الإبريز للطهطاوي

    قدمه: حسن حنفي : أستاذ ورئيس قسم الفلسفة ـ جامعة القاهرة.

    أولا: مقدمة، الموضوع والمنهج.

    كانت الحضارة الإسلامية عبر التاريخ في علاقة مستمرة مع الحضارات المجاورة، اليونان والرومان غربا وفارس والهند شرقا، قبل الإسلام وبعده، بل إن إبداعات الحضارة الإسلامية هي نتيجة لهذا التفاعل بين الداخل والخارج، بين الموروث والوافد، بين النقل والعقل، بين علوم العرب وعلوم العجم، بين علوم الغايات وعلوم الوسائل، أو بلغة العصر بين الأنا والآخر.

    في الفترة الأولى كان الآخر معلما والأنا العربية الإسلامية متعلما، وفي الفترة الثانية كانت الأنا العربية الإسلامية معلما، في حين كان الآخر متعلما، ثم جاءت الفترة الثالثة ليعود العربي المسلم متعلما على يد الآخر المعلم.

    في شرح حسن حنفي وتعليقه على كتاب الطهطاوي (تخليص الإبريز) يحاول معاينة العربي لصورة (نفسه) في مرآة الآخر الغربي على لسان الطهطاوي.

    ثانيا: الأنا إطار جغرافي للآخر.

    رغم أن كتاب الطهطاوي كان المقصود منه وصف الآخر (باريس)، من منظور (متمركز) في القاهرة أو الإسكندرية، ليعمم الآخر الأوروبي على حالة أهل باريس، من منظار من يزعم أنه يمثل الشرق العربي أو حتى الإسلامي. فلا باريس كل فرنسا ولا فرنسا هي كل أوروبا، حيث أن في أوروبا أنماط مختلفة بما فيهم المسلمين في شرقها الذي كان منه جزء من الدولة العثمانية (آنذاك)، وكذلك ليس القاهرة هي كل العرب أو كل المسلمين، فهناك أنماط متعددة من الشرق، الذي سيضم بين ثناياه (الدولة العثمانية) بجزء أوروبي من جغرافيتها!

    هذا النهج بدا جليا لا في كتابات الطهطاوي فحسب، بل سبقه إليها من هو أقدم منه، فظهرت بالتراث القديم من خلال كتابات السيوطي في كتابه (منتهى العقول) وكتابات أبي الفداء في كتابه ( تقويم البلدان، وكتابات حاجي خليفة في كتابه (كشف الظنون) وكتابات الخوارزمي في كتابه ( غريب الإيضاح في غريب المقامات الحريرية) والمسعودي في كتابه (مروج الذهب). وكذلك فإن الكتاب الغربيين قد تناولوا الشرق بنفس الروحية وكان هذا واضحا في كتابات البارون دي ساسي في كتابه ( تاريخ الدول) الذي ترجمه للعربية ابن الكرديوس.

    هذا النهج الذي اتبعه كتاب الشرق والغرب في نظرتهم للآخر أثر ولا يزال يؤثر في تحديد السلوك شعبيا ونخبويا لكل طرف تجاه الآخر. فلا زال المواطن والواعظ على المنابر ينظر للغرب على أساس أنه (غرب واحد)، فبلغاريا في نظر العربي لا تختلف كثيرا عن فرنسا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية، وإيران في نظر الغرب و الصهاينة هي كالمغرب والعراق و باكستان!

    ثالثا: الأنا مرجع تاريخي للآخر

    يضع الطهطاوي الأنا في مسار تاريخها الهجري، ويلحق مسار تاريخ الآخر قبل أن يحدث الاغتراب في الوعي العربي الإسلامي ويصبح مسار تاريخ الآخر هو المرجع التاريخي لمسار تاريخ الأنا، فهذا الطهطاوي نفسه يؤرخ لسفره لفرنسا: خرج الطهطاوي من مصر في 8 شعبان 1240هـ الموافق 1826م.

    في حين كان العرب يؤرخون لاكتشاف أمريكا بخروجهم من الأندلس، وأرخوا فيما بعد عن الثورة التي حدثت في فرنسا بين أنصار الملكية وأنصار الجمهورية، فأرخوها مع الثورة الهمامية في صعيد مصر التي قادها شيخ العرب (همام) مع الفلاحين العرب ضد الدولة.

    رابعا: الأنا والآخر في المرآة الاجتماعية

    يتم وصف الأنا والآخر في مرآة الحياة الاجتماعية، وفق الحالة التي يتحدث بها الكاتب، فيكون الآخر منضبطا دقيقا ويكون الأنا منفلتا لا يحترم القوانين، وتكون النساء عند الآخر غير عفيفات بما فيه الكفاية وأزواجهن غيرتهم قليلة. ويكون الاختراع والعمل عند الآخر والكسل والخمول عند الأنا، ويكون البخل وعدم رغبة الآخر في مساعدة غيره، في حين يكون الكرم وحب المساعدة للغير عند العربي. وهكذا مئات بل آلاف الثنائيات التي استخدمت اجتماعيا ولا زالت.

    خامسا: الأنا وتعريب الآخر

    لما كان التقابل بين الأنا والآخر هو تقابل لغوي، بين اللغة العربية واللغة الفرنسية، فقد استطاعت الأنا تعريب الآخر أكثر مما استطاع الآخر فرنسة الأنا.

    فعندما يتحدث الطهطاوي عن باريس يقول: هي كرسي أو تخت فرنسا (تمشيا مع استانبول تخت الدولة العثمانية)، ويقول عن القانون الفرنسي: الشريعة الفرنسية، ويتحدث أمر محتسب باريس الخبازين بصناعة الخبز. ثم إن أراد أن يتحدث عن مبتكرات لغوية لمسائل لم يعرفها الشرق العربي قال (الرسطراطورات) ويقصد المطاعم، وكذلك (الكرنوال) : اي الكرنفال. وقد سبقه العرب عندما عربوا الأمكنة حسب لسانهم فقالوا: قشتالة يعني كاستل.

    سادسا: علوم الأنا وعلوم الآخر

    لقد تفوقت الأنا في علوم الدين، في حين تفوق الآخر في علوم الدنيا، ويقول لقد كان سبب قوة الآخر هو العلوم الدنيوية فإن سبب ضعف الأنا هو ضياع هذه العلوم منها. لقد كان سبب استعمار الإفرنج لأمريكا قدرتهم على ركوب البحر ومعرفة قواعد علوم الفلك والجغرافيا وحبهم للسفر والطبيعيات بل أتقنوا ما وراء الطبيعيات وأقاموا البراهين على خلود الأرواح واستحقاق الدين والدنيا معا، وقد جهلنا الفنون أو العلوم العامة والخاصة معا.

    وإذا كان الغرب قد فرق بين العلم والفن وأبدع في كليهما، فإننا وحدنا بينهما وتأخرنا فيهما. وإذا كان الغرب قد برع في العلوم الرياضية والطبيعية ولم يهتد الى طريق النجاة في الآخرة، فإننا قد برعنا في العلوم الدينية ولم نهتد الى طريق الصلاح في الدنيا.

    سابعا: من أدب الرحلات الى علم الاستغراب

    ينتهي الأستاذ حسن حنفي مناقشة كتاب رفاعة الطهطاوي (تخليص الإبريز)، بأنه لا يعدو مستوى أدب الرحلات، فهو إسقاطات شخصية على مسائل عامة كبرى، فيقيس الجزء ويسقطه على العام دون برهان ثابت ومطلع. وهذا النوع من الفكر يصلح للتوجه للعامة لا للمختصين. ثم لا يخفي الطهطاوي انبهاره بالغرب وحضارته، فيتحول من رحالة الى مبشر بتقليد الغرب في كثير من الأمكنة في كتابه.

    الموضوع أوسع بكثير مما لخصته فيه وأخشى أن يكون تلخيصي يشوه روعة المادة .. اقتضى التنويه
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  9. #19

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل السادس عشر: صورة الآخر من خلال تقارير الرحلات السفارية المغربية الى أوروبا..

    قدمه: عبد السلام حيمر ..أستاذ في جامعة مكناس/ المغرب

    كتب الأستاذ عبد السلام حيمر بحثه هذا بعد مرور 500 عام على خروج العرب من الأندلس، وقد تساءل في بحثه عن مغزى هذا التاريخ ودلالته بالنسبة للحاضر والمستقبل. وأراد أن يلقي الضوء على الرحلات المغربية التي تلت تاريخ خروج العرب من الأندلس، مؤشرا على صورة الآخر من خلال الرؤية التي كان يثبتها كل من هؤلاء الرحالة (بالطبع لن يتطرق الى ابن بطوطة)

    أولا: رحلة الموريسكي أحمد بن قاسم الحجري (أفوقاي) 1611ـ 1613م.
    (ناصر الدين على القوم الكافرين)

    يرى (جاك بارك) أن المغرب حتى القرن السادس عشر، لم يكن بعيدا كل البعد عن السيرورة الحضارية العامة التي هيمنت على بلدان شمال البحر الأبيض المتوسط . بيد أنه ابتداء من القرن نفسه أخذت الشقة الحضارية بينهما تتسع وتتعمق الى الحد الذي يمكن القول معه بأن تقدم أوروبا كان شرطا مرافقا لتأخر المغرب، بل وتأخر كل البلدان العربية*1

    من هنا تبرز أهمية النظر بكتاب أحمد بن قاسم الحجري (أفوقاي) : ((ناصر الدين على القوم الكافرين))، كون الكاتب الرحالة كان يعيش حياة (المناددة) لا حياة الشعور بالتخلف عن الغرب، وهو يمثل تصوير المسلم العربي للآخر الغربي الأوروبي.

    لقد كانت رحلة (أفوقاي) الى مدن فرنسية وهولندية مثل (باريس و بوردو وتولوز وأمستردام ولاهاي) معرضا لمزاوجة ما ذهب من أجله: وهو استرداد ما سلبه اللصوص الأوروبيين من (الموريسكيين: المسلمين الهاربين من أسبانيا الى المغرب وتونس)، مع انتباهه الى الحوارات والنقاشات الفكرية الدينية مع الرهبان والأحبار وبعض أفراد النخب الحاكمة في فرنسا وهولندا.

    من جهته يذكر الرحالة من قابلهم بأنهم أهل (دار الكفر) وعندما يتحدث عن نفسه أو قومه أو من يمثلهم ينعتهم بأهل (دار الإسلام)، لقد كان يتكلم باسم العرب والمسلمين والعثمانيين في مناظراته مع أهل (دار الكفر).

    صورة المغربي (العربي/المسلم) في مخيلة الأوروبي

    يذكر (أفوقاي) بأن مخاطبات سكان المدن الأوروبية التي زارها له: بقولهم (أنتم االتركيون) ولقبوا أفوقاي بالرجل التركي، لأن الأوروبيين في تلك الفترة كانوا لا يطلقون اسم مسلمين أو عرب أو مغاربة بل أتراك. والصورة عندهم عن هذا التركي بأنه محارب مرعب يسرق ويزني ويجبر زوجته على لبس الحجاب، ومع ذلك يبتعدون عن مباهج الحياة من خمر ولحم خنزير. هذه الصورة التي نقلها (أفوقاي) والذي كان يجيد الإسبانية والفرنسية ولديه اطلاع واسع في الديانات.

    صورة الأوروبي في مخيلة المغربي ـ (الموريسكي)

    الأوروبي هو أولا وقبل كل شيء مشرك كافر نصراني، خائن للعهود والمواثيق، ودليل (أفوقاي) على ذلك ما فعله ملوك الإسبان بالمسلمين. ثم يمضي (أفوقاي) بوصف التحالف بين الإقطاع والكنيسة (البابا)، فيقول هم وكبار الملاك يستخدمون الخدم والحشم ويقضون أوقاتهم في ترف ونقاشات في الدين وترجمة الكتب بما في ذلك العربية.

    ثم يذهب الى وصف المدن فيقول إن مدنهم لم ترق في جمالها وعمارها الى مصاف المدن العربية. لكن مدينة مثل (أمستردام) بها سفن (ذكر 6 آلاف سفينة). ثم يتحدث عن الإصلاح الديني، فيعرج على (لوثر ويسميه هو لطري) وكالفن وبسميه (قلبن). ويذكر أفوقاي (كل واحد من السلاطين النصارى يرتعد ويخاف من سلاطين الإسلام والدين ... وهم السلاطين الفضلاء العظماء العثمانيون التركيون)*2

    ثانيا: رحلة الوزير محمد بن عثمان المكناسي توفي 1799م

    (الإكسير في فكاك الأسير)

    تمت هذه الرحلة عام 1780، وقد جاءت بعد أن حاول المغرب استرجاع (مليلة) عام 1774، حيث اعتقد المغاربة أن انشغال أسبانيا في حروب أمريكا اللاتينية وخلافاتها مع بريطانيا على جبل طارق، يجعل من ذلك التوقيت أمرا مرغوبا يمكن فيه تحقيق النصر، لكن الأسبان دمروا (مليلة) عن بكرة أبيها وألحقوا هزيمة نكراء بالقوات المغربية وأسروا من المقاتلين الكثير، والغريب أن المقاتلين كانوا أتراكا وجزائريين ولم يكونوا مغاربة*3. فذهب الوزير بمهمة استرجاع الأسرى.

    الوحدة والتشابه

    يتحدث ابن عثمان عن إسبانيا ولا سيما الأندلس بوصفها (دار إسلام) اغتصبها النصارى، فهي ليست بلادا غريبة عنه، إنها أرض الأجداد في رفاتهم ومنجزاتهم الحضارية لا تزال ماثلة للعيان، إنها جزء من تراثه وتاريخه. فالعرب ماثلون في أسوار المدن وأزقتها الضيقة وفي مكتبة الأسكوريال وفي الكتابة العربية التي تزين القصور والأبواب والأضرحة.

    ويكتشف ابن عثمان أن الأسبان يشاطرونه حبه وتقديره للآثار العربية الإسلامية، فعندما سأل الأسبان عن شيء تبقى من الآثار، أحضر بعضهم نقودا وخناجر وعندما فاوضهم على شراءها رفضوا ذلك بأي ثمن لأن تلك الآثار التي يتوارثونها عن الأجداد لا تقدر بثمن ولا يمكن التفريط بها.

    ويذكر ابن عثمان: أن هناك من جاءه يعلمه بأن أجداده عرب وأقاربهم بالمغرب، فأظهر له أحد أعيان نصارى أشبيلية أنه من أصل عربي وجده اسمه (قردناش) وفي مدينة (أندوخر) قالت له سيدة أنها من بنات (بريس) وأمها بنت (بركاش) وأعمامهم في المغرب.. ويكثر من تلك القصص.

    الاختلاف

    بعد أن أظهر ابن عثمان ما شاهده من علامات الفرح في وجوه من قابلهم للتشابه بينه وبينهم، يظهر الاختلاف فيما بين العرب والأسبان، من حيث دينهم الذي وصفه بالفساد، من حيث التثليث واقتصار الصوم على الامتناع عن أكل اللحوم، وارتكاب المعاصي والظن أنها تزول بالاعتراف أمام رجال الكنيسة.

    ثالثا: الرحلة الإبريزية الى الديار الإنجليزية 1860م
    و ((رحلة الى إنجلترا)) للحسن الغسال 1902م

    تمت هاتان الرحلتان بعد أن قويت قبضة أوروبا على دول الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، فتلك حملة نابليون وتلك احتلال الجزائر، وهناك تربص بتونس، وهناك هزيمتان متتاليتان للمغرب في اسلي 1844 وتطوان 1860، فكان من نتائج ذلك اندماج المغرب بالنظام الرأسمالي من جهة وتتالي البعثات السفارية والطلابية الى أوروبا من جهة أخرى، وهاتان الرحلتان من هذا النوع.

    لقد تراجع تفكير الرحالة عن أن ما يجري في أوروبا هو من إنتاج المسيحية بعقيدتها وتنظيماتها، الى أن ما يجري هو من تدابير فكرية (اقتصادية واجتماعية وسياسية) واختراع طقوس لم تكن لا في أوروبا ولم يعهدها العالم الإسلامي من قبل، نقابات واختراعات (قطارات وغيرها).

    لقد كان السلطان في المغرب بأمس الحاجة الى نقل الرحالة لما يشاهدون في رحلاتهم.

    لقد كانت رحلة (الطاهر الفاسي) الى لندن سببها ما كان يُسمع عن الغرب بأنهم وجدوا علاجا للريح الأصفر (الكوليرا) التي انتشرت في (فاس). وهنا كان وصف الطاهر الفاسي للإنجليزي بأنه صانع للأدوات التقانية المذهلة التي يضيق النطق عن الإحاطة بها ووصفها، فقد مر على استعدادات الجيش الإنجليزي وتطوير صناعة الخشب والسفن والقطارات الخ.

    ويصف الطاهر الفاسي البابور (القطار) بقوله: (( والحاصل أنهم أتعبوا أنفسهم في إدراك المسائل النظريات، وكابدوا على تحصيلها حتى صارت عندهم ضروريات، ولا زالوا يستنبطون بعقولهم أشياء كثيرة، كما أحدثوا البابور وغيره. وسبب إحداثهم له، أن صبيا كانت بيده ناعورة صغيرة من كاغيد (ورق)، فجعلها متصلة بجعب في فم بقرج على نار، وبعد اشتداد غليان الماء فيه، جعلت تدور بقوة البخار، فرآه رجل وتعجب واستنبط هذا البابور))*4

    خلاصة:

    إذا كنا قد اختصرنا الكثير مما جاء بالبحث، فإننا نستطيع تلخيص العبرة من آداب تلك الرحلات، أنها تركت انطباعين أحدهما طابع سوء الآخر ورداءة خلقه كما جاء في الرحلتين الأوليتين، واجتهاد الآخر وكده في ابتكار ما ينفعه كما جاء في الرحلات المتأخرة.

    وأن آثار ذلك لا زالت ماثلة في أذهان كل العرب، فبين الإعجاب واحترام قدرة الغربي على الابتكار والعمل، وبين الاحتقار واستصغار خلق وطبيعة ذلك الغربي المسبب للكثير من الأزمات في واقعنا.
    هوامش:

    *1-Jacques Berque, Ulemas, fondateurs, insurges du Maghreb, xvii siècle, la bibliotheque (2) arabe, collection hommes et societes (Paris: Sindbad, 1982 p.18.

    *2ـ ناصر الدين على القوم الكافرين/احمد بن قاسم الحجري أفوقاي/ تحقيق: محمد رزوق/ الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية. 1987/ صفحة 99.

    *3ـ من تعليق مقدم البحث: د عبد السلام حيمر في الكتاب الذي بين يدينا (صورة الآخر: العربي ناظرا ومنظورا إليه/ تحرير: د الطاهر لبيب/ مركز دراسات الوحدة العربية صفحة 317.

    *4ـ الرحلة الإبريزية الى الديار الإنجليزية/ محمد بن الطاهر الفاسي/ ص 28
    * ـ الهوامش أعلاه ذكرها المؤلف (الباحث)، والهامش الأول كُتب بالحروف الفرنسية، وكون لوحة المفاتيح لا تمكن من الكتابة بالفرنسية، فكتبتها بالحروف الإنجليزية (اقتضى التنويه).
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

  10. #20

    رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه

    الفصل السابع عشر: أثر الصورة الذاتية في الموقف العربي من دولة إسرائيل ..
    قدمه: مهنا يوسف حداد..أستاذ في جامعة اليرموك/الأردن

    مقدمة:

    السؤال حول الذات العربية في متغيراتها "الذات الكلية" و "الذات الجزئية"، كون الأولى تمثل الذات العليا، والثانية تمثل الذات الفاعلة، وكما يبدو، سؤال محوري في محاولة فهم التطورات التي مرت بها الأقوام العربية في المائتي سنة الأخيرة. لقد وجد مفهوم القومية العربية أو نحت كذلك في القرن التاسع عشر على غرار المفهوم الغربي للقومية، ولكنه كان من دون محتوى مستمد من واقع الشعوب العربية في ذلك الوقت. وهنا يبرز سؤال: لماذا لم تصل فكرة القومية العربية الى ما وصلت إليه أي من الذوات القومية الأوروبية؟

    يقول صاحب البحث: سوف نحاول في هذه الورقة تقديم النظرية حول الذات لتساعدنا في تحليل الذات القومية العربية، والتي من خلالها تفاعلت الذوات المكونة لها، ولو صوريا مع دولة إسرائيل، طارحين السؤال إذا ما كانت محتويات القومية العربية كونها ذاتا كلية هي التي كان عليها أن تشكل المضمون والهوية.

    صورة الذات

    تشير صورة الذات هنا الى موضوع الفكر، وتحتوي على جميع المعرفة والمعتقدات التي يملكها أو يستخدمها الناس لوصف تلك الشخصية التي يحملونها. هذه الذات الجمعية بحد ذاتها لا تختلف كثيرا عن الذات الفردية، وصورتها لدى الجماعة تبدي الخصائص نفسها التي تبرزها الذات الفردية مع الاختلاف بأن تصور هذه الذات يوجد لدى تعدد من الجماعات الإنسانية من أن يوجد لدى فرد إنساني واحد. وفي حالة مثل الذات العربية تتطور بناء على التطورات السياسية وتأثير الذوات الفردية الأخرى في الذات (للفرد).

    وبقدر ما تتراكم آثار المؤثرات الخارجية المحيطة في الذات الفردية فإنه سيظهر عدة مستويات من الانسجام مع داخل الذات أو الآخر:
    1ـ عدم الانسجام، المثاليات الخاصة.
    2ـ عدم الانسجام مع الأهداف الأخلاقية الخاصة.
    3ـ عدم الانسجام مع مثاليات الآخر.
    4ـ عدم الانسجام مع الأهداف الأخلاقية للآخر

    سنحاول تبسيط المسألة من خلال الابتعاد عن لغة المختصين، وتحويلها ـ بقدر الإمكان ـ لموضوع قابل لفهمه، معتذرين عن القفز عن الأمثلة المدعومة بقول علماء الاجتماع (العالميين) الذي استشهد بهم الباحث.

    1ـ الذات الكلية العربية: البداية والمثال (1798ـ 1908)

    جاءت فكرة القومية العربية ردة فعل على التعسف التركي وتقليدا لحركة القومية أو القوميات في أوروبا خلال القرن التاسع عشر وقبله*1.

    لقد أدخل (نابليون بونابرت) عاملين هامين في تكوين الذات العربية، هما: آلة الطابعة ومقاومة الاحتلال، مما هيأ للنخب ومن بعدها شرائح الشعب أن تلتف فيما بعد حول محمد علي باشا وابنه ابراهيم الذي استنهض الهمة العربية لبناء ذاتها من خلال استلهام ما عند الأوروبيين وبعيدا عن حالة التسليم والخنوع للإرادة التركية التي تجاهلت الشخصية العربية، وانصرفت لبناء المركز التركي دون الالتفات للأطراف العربية.

    إن انتباه أسرة محمد علي لإرسال البعثات التعليمية، الى أوروبا، وتأسيس نظام تعليمي في البلدان التي بسطوا نفوذهم عليها أوجد مناخا وبيئة ظهر منها رواد يهتمون بإحياء التراث و تمجيد القومية العربية .. فكان جناح إحياء التراث الإسلامي يتمثل ب (جمال الدين الأفغاني ورشيد رضا والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم) وجناح القومية العربية الذي تصاعد فيما بعد وبالذات بعد أن ظهرت بوادر الهجرة اليهودية لفلسطين، مع ظهور الحركة الطورانية الداعية لتتريك الشعوب التي تحت الحكم العثملني ومنهم العرب.

    بالمقابل، فإن ظهور دعوات الكتابة والحديث باللهجات المحلية والابتعاد عن الفصحى، ومحاولات إحياء الفرعونية والشامية والإقليمية بشكل عام، كل هذا أوجد أرضية خصبة لنمو فكرة القومية العربية.

    إلا أن الاختلاف بين القومية العربية والقوميات الأوروبية، أن الأخير كان نموها رأسيا متتابعا، في حين أن القومية العربية كان نموا متعرجا مفتعلا منقطعا، كما أن القومية في أوروبا كانت صبغته علمانية حسمت قطع علاقتها بالدين، في حين أن القومية العربية التزمت باستعادة الافتخار بقوة أمجاد الدولة الإسلامية.

    2ـ الذوات الفرعية: الوطنيات القومية

    لم تستطع الذات الكلية بمحتوياتها المتناقضة مع واقع المنادين بها أن تحقق ذاتها، فهي لم تمتلك آليات تشكيل تحقيقها في زمن لم يكن ليتناسب مع تلك المحتويات. وقبل أن تصل لنقطة بلورة ذاتها، عرفت الذوات القومية المناوئة (الخارجية وغير العربية) ومعها الذوات الوطنية والدينية (العربية والإسلامية) كيف توجه الأمور في اتجاه مغاير يختلف عن الطريق الذي انتهجه رواد النهج القومي.

    فبعد الحرب العالمية الأولى ظهرت كيانات وتوجهات إقليمية لم يرق لها تقوية الذات القومية الكلية. فالهبة التي كانت في شرق المتوسط والتي قاد لوائها أبناء شريف مكة (الحسين بن علي) كانوا على غير الخط الذي كان في الجزيرة العربية ممثلا بآل سعود. كما أن انفصال السودان وانشغال أهل مصر بتلك القضية مع تثبيت وتطوير استقلال مصر. وكذلك فإن المناطق التي كان يشغلها نضالها من أجل تحررها من الاستعمار (الأقطار المغاربية) . كل ذلك أوجد شخصيات كيانات وطنية تقدم همها القطري على همها القومي، فتلتقي مع الهم القومي وتتناقض معه في نفس الوقت.

    لكن، كل تلك الحراكات التي وإن بدت متناقضة وغير مفهومة، اتفقت على عدوانية الصهيونية والنظر لها كآخر لا يمكن الوقوف في وجهه إلا في الاستناد لذات أكبر من الذات القطرية أو الوطنية. كما اتفقت على أن وحدة اللسان واللغة العربية هي نقطة تقدم النظام القطري (نخبه ودولته) الى المجتمع القطري أو المجتمع العربي الأوسع كورقة مرور لمشاغلة الذات في حالة تكوينها.

    كان هذا الشكل من السلوك إزاء الذاتين (الوطنية والقومية) والذي اتصف بعدم وضوحه واكتمال صورة ما يريد، هي ما أعطت صفة الوهن وعدم القدرة على إنجاز تكوين الذات القومية.

    لقد كان الفكر العربي بكتاباته بين فترة 1948 و1978 يكتب بمثاليات تتوحد فيه الصبغة الكتابية عند كل الكتاب في النظرة العدائية للصهيونية، في حين كان السلوك الرسمي يتماهى مع فكرة واقعية اتفقت عليها معظم الأنظمة العربية، أقل ما يقال فيها أنها لا تمت بصلة لما كان يكتب في المثاليات الأدبية.

    3ـ الفترة الثالثة: بين الذوات المحورية والذوات الأقطاب

    استغلت الذات اليهودية حالة التناقض في المحيط العربي، وانتصرت في حرب 1967، مما جعل الخطاب القومي يتراجع خجلا من عجزه ووهنه. وقد علت مكانة القدرة الصهيونية لما دعاه (حامد عبد الله) ب (ربيع الظاهرة العبرية)

    ثم جاءت حرب أكتوبر 1973، بدأت بنصر وانتهت بالإدعاء بالنصر، وأخرجت مصر من الذات الكلية العربية، لتخفت أو تموت فكرة التحرير، عند الدول الوطنية. وأصبحت العلاقة بين دول الطوق (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، مصر) وبين الدول النفطية الثرية، التي لا يفتأ أبناء دول الطوق أن يرددوا أنهم من أسس بنيان دول الخليج من تعليم وبناء ومؤسسات وغيره.

    فإن كان هذا الكلام يحمل شيئا من الصحة قبل عام 1978، فإنه تحول الى (بزنس) واغتنام الأموال من تلك العلاقة، على حساب الرسالة التعليمية والرسالة الأخوية. وقد اكتشف أبناء دول الخليج الدوافع المستجدة من أبناء دول الطوق، وعلموا كيف أن تلك العلاقة قد أوجدت لديهم حالة من الكسل والاتكال على غيرهم، وما دامت الأمور كذلك، لماذا لا يبحثون ـ هم بدورهم ـ عمن يخدمهم بأسعار أقل (جنوب شرق آسيا)، ولماذا لا يبحثون عن علاقات استراتيجية مع دول تحميهم وتضمن أمنهم!

    هذا ما حدث في الشرق العربي إزاء الآخر (الصهيوني، اليهودي، الإسرائيلي)، بدأ بخطاب لمنعه من الهجرة، ثم تطور الى التهديد باقتلاعه، ثم تطور الى القبول بقرارات الأمم المتحدة، ثم مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للقبول بها، ثم معاهدات صلح وتطبيع الخ.

    أما في الأقطار المغاربية، فكان تفاعل تلك الدول لا يرقى هو الآخر عن مرحلة التعاطف الوجداني مرة بشكل قومي (يستحي) من الإثنيات في تلك الأقطار، ومرة بشكل إسلامي ليبرر لتلك الإثنيات ضرورة التعاطف.

    هوامش
    *1ـ انظر: الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر/ السيد ياسين/ بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر 1981
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

المواضيع المتشابهه

  1. إنا لله وإنا إليه راجعون-إنتقل إلى رحمته تعالى اخونا الكبير/الكاسر الفلسطيني (أبوعدي)
    بواسطة فلسطين العراقي في المنتدى منتدى الشؤون السياسية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 03-08-2007, 11:35 PM
  2. إعرفْ عدوَّك ، ومِلْ عنه ، ولا تمِلْ إليه
    بواسطة البصري في المنتدى منتدى التاريخ والأدب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-06-2007, 02:06 AM
  3. أخي الراوي طلب مساعدة ولك الأجر
    بواسطة أمير الذباحين في المنتدى منتدى الحاسوب والملتميديا
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 02-08-2005, 07:54 PM
  4. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-01-2005, 11:43 PM
  5. ليؤكد ما سبقت إليه المفكرة .. الشعلان يعترف بسيطرة المقاومة على مناطق واسعة بالعراق
    بواسطة القادم في المنتدى منتدى العراق والمقاومة العراقية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-09-2004, 10:12 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •