الفصل السادس والثلاثون: وجهات نظر المغاربة والأفارقة في فرنسا، بالفرنسيين ..

تقديم: ماري ـ جوزيف باريزاي .. باحثة بالمركز الوطني للبحث العلمي cnrc باريس .

أن نفهم نظرة الآخر إلينا، وأن ننصت الى ما يقوله عنا، هذا أمر فائدته بينة بنفسها. ولكن أن نرى باحثة غربية تنتمي الى مجتمع بينه وبين المجتمع الذي ينحدر منه هذا الآخر تركة تاريخية ثقيلة، ساعية الى استجلاء هذه النظرة، فهذا أمرٌ ليس بيناً ولا متأكداً في حد ذاته، ذلك أن تعقد العلاقات القائمة عليها تمثلات المغاربة والأفارقة للفرنسيين تجد صداها في تعقد فهمهم وفي الصعوبات النظرية والمنهجية التي تحف بمقاربتهم. من هنا جاء هذا البحث ليرسم باقتضاب معالم الصورة التي نحن بصددها.


أولا: الصعوبات القائمة أمام إدراك صورة الآخر

الصعوبات هي أولاً من طبيعة منهجية، ذلك أن بلوغ هذه الصورة يشترط مسبقاً حذق الأحاديث، مما قد يستفز (مجرد ذكرها) المستجوَب (بفتح الواو) ويترك لديه آثاراً سيكولوجية ويفجر مكبوتات مسكوت عنها.

لذا، سيكون المستجوِب (بكسر الواو) في وضع ليس بالسهل، عندما ينتمي للآخر الذي من أجله عُملت تلك الاستبيانات.

ثانياً: استمارات ثلاث في أوساط المغاربة والأفارقة

أُنجزت الاستمارات التي تُستمد منها المعطيات التي يعتمدها البحث، في أعوام 1979 وفي عام 1985 ثم في عام 1992. وقد تناولت تلك الاستمارات عينات من جمهور المغاربة الذين لهم تجارب تعارف متبادلة مع سكان فرنسيين في حي من أحياء مدينة (ليون) وكان الى جانب تلك العينات مجاميع من طلاب ومثقفين مغاربة وأفارقة.

من الواضح أنه لا يجوز تعميم نتائج هذه الاستمارات لا من جهة حجمها، ولا من جهة طابعها المخصوص، بيد أن فائدتها الفعلية تكمن في مستويين اثنين: فهي من ناحية أولى تتناول مسألة ملاقاة الآخر، لا فقط من منظور العلاقة التنازعية، وهي معروفة، بل أيضا من منظور الروابط الجيدة بينهما وشروط إنجاحها. وهي مفيدة أيضا من منظور صلاحية النتائج.

ثالثاً: التباين والمفارقة في صورة الآخر

تطابقت بيانات استمارات 1975، و 1979، بالنسبة لمن وجهت لهم الأسئلة، سواء كانوا مغاربة أو أفارقة، فالكل يُجمع على أن الفرنسي يمارس تسلطه السياسي والعنصري والثقافي والاقتصادي، فلا أجور الأفارقة الذين يحملون الجنسية الفرنسية كأجور الفرنسيين الأصليين، ولن يُسمح لهم بتبوء مراكز قيادية، ولا يُنظر الى ثقافتهم على أنها ثقافة ذات بال.

وأحد أبناء الكمرون أضاف: أن الفرنسيين لا يسمون الآخر باسمه فلا يقولون للكمروني أنه كمروني ولا لمغربي على أنه كذلك، بل يطلق عليهم أسماء كلها عنصرية ودونية: ذاك الزنجي أو ذاك الأسود.

رابعاً: وراء الصورة الظاهرة ((صورة باطنية))

يستنتج الباحث من الاستمارات التي بين يديه، أن وراء الصورة الظاهرة تكمن (صورة باطنية)، صورة نسجتها الحسرات وعبارات الشعور بالمرارة التي فاه بها العمال المغاربة والطلاب الأفارقة على وجه الخصوص، كما لو جاءت الخيبة كبيرة على قدر ما كان الأمل من قبلها كبيراً!

خامساً: إستراتيجيات تغيير العلاقة بالآخر ورؤيتها الديناميكية

لكن الخاصيات السلبية لصورة الآخر بدلاً من أن تولد الاستسلام والجمود ولدت حركة ديناميكية من أجل تغيير الآخر. ففي إحدى اللقاءات التي نظمها العمال المغاربة في أحد أحياء (ليون) حضره أربعة آلاف شخص (ما يعادل ربع سكان الحي)، من المغاربة والفرنسيين والصناعيين ورجال الدين والمفكرين وغيرهم، وكان الانطباع النهائي أن هناك إمكانية لتقريب وشائج الأخوة بين الشعوب، من خلال ترويض الاعتراف المتبادل وتقبل الآخر. ومن خلال التمسك بالأصالة ولوازمها والانفتاح على الآخر بنفس الوقت.

سادساً: فرضيات في شروط إنتاج صورة الآخر

على نحو ما رأينا آنفاً، فإن إعمال الفكر في هذه الشروط يرجعنا الى الشروط التي نشأت في حضنها العلاقات مع الآخر، وهو ما يقتضي تحديدها والتعرف عليها أولاً وقبل كل شيء.

تعترف الباحثة أن حظوظ الأجانب في العمل دون حظ الفرنسيين، فإنه أسوأ بالنسبة للأفارقة حتى من غير الفرنسيين من غير الأفارقة. ففي تقرير (المجلس الأعلى للاندماج الفرنسي) كانت نسبة البطالة عام 1992 بين الفرنسيين 11% في حين أنها كانت 27% من الأفارقة. ووجدت نسبة تعاطف الفرنسيين مع القادمين من دول أوروبا (الشرقية وغيرها) 81% في حين أن التعاطف مع المغاربة كان 42% وأبنائهم المولودون في فرنسا 50%.

سابعاً: (الصورة العلامة)

للمسيطر صورة مركزية تردنا كما رأينا آنفاً الى (فانتازمات)*1 المستعمر القديم، وواسم الشعوب المستعمرة ومستغل العالم الثالث. أما السمة الرئيسية فيه، فلا تتمثل فقط في إقصاء عموم الأجانب ـ وهو إقصاء يتفاقم مع تصاعد العنصرية وتفشي الظاهرة التمييز العنصري الفاحش.
الى جانب ذلك، تعلن الحكومات الفرنسية المتعاقبة الى سياسة الاندماج، وإن كانت تلك الدعوات تلقى معارضة من قبل المهاجرين الذين يرفضون إلغاء ذواتهم فإنها ستبقى ذريعة بيد الفرنسيين لتفقيه تسلطهم.

خلاصة:

تقول الباحثة: بالنسبة لنا نحن الفرنسيين، فوجود هؤلاء المهاجرين في بلادنا من شأنه أن يحثنا على التفكير بتروٍ كبير في الجوانب الإيجابية لهذا الحضور وفي التغييرات التي يحدثها داخل المجتمع الفرنسي. مع التوصية بجعل الاندماج محببا لهؤلاء المهاجرين مع احترام احتفاظهم بملامح هويتهم الأصلية.




هوامش:
*1ـ يُقصد بالفانتازمات ما يشبه الشعور عند الرجل الشرقي بضرورة تلبية الزوجة لمتطلباته حتى لو كان مزاجها لا يتماشى مع متطلباته، فمعارضة الزوج هنا تخالف التعاليم السماوية والدينية (حتى عند البوذيين)، والفانتازمات عند الأوروبيين تجاه شعوب العالم الثالث مطابق لهذا الشعور، أي لا يجوز معاندتهم ورفض ما يأمرونا به (من عندي).