بعد أن وقع الفرس في عقدة الهزائم العسكرية سواء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو في عهد عمر رضي الله عنه اتجهوا إلى ممارسة حروب أخرى كان لها أثر بالغ فيما حدث بين المسلمين حينها إن تناولنا تاريخ الصراع بشيء من التحليل المنطقي بعيدا عن التناول الظاهري البحت حسب ما هو سائد فلم تكن كل تلك الأحداث لتجري كما سجلت دون أن يكون لأطراف من خارج الصراع أدوار خفية لكل طرف منها هدفه الخاص وهذا يجعلنا نرجع قليلا إلى الوراء لقراءة واقع الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر (العصور الأكثر هدوءً) كيف تشكلت ومن هم أعداؤها ومن حاربت ثم كيف بدأ الاختلاف وهل كانت قضاياه المطروحة محاور نزاع فعلا وهل كانت تستحق أن تخلق هذا الموروث من العداء أم أن هناك خلفيات أخرى أدارها لاعبون بصورة سرية انطلت على الجميع بمن فيهم المتحاربون ؟.

قاتل النبي صلى الله عليهم وسلم في سبيل نشر الدين الإسلامي شرائح عدة أولها قبيلته قريش ثم اليهود ثم الفرس والروم حتى استوت دولته صلى الله عليه وسلم على سوقها ليخلفه أبو بكر وعمر في ذلك وكان العصر العمري استثنائيا بالنسبة للفرس لهذا يعد العداء الفارسي له استثنائيا وإن كان أبو بكر أحق بهذا العداء إن كانوا فعلا يقدسون قضية أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة منه وهنا سنجد أن وراء مقتل الخليفة عمر رضي الله عنه وأرضاه أمرا غامضا فمن غير المعقول أن يتبرع غلام المغيرة ابن شعبة وهو مجرد غلام لقتل خليفة من هذا الحجم ولا ننس أن نشير إلى أن قبر أبي لؤلؤة المجوسي قاتل الخليفة عمر رضي الله عنه له مزار اليوم في إيران.

هذه الشرائح بعد مقتل الخليفة عمر رضي الله بدأت تتحد أو تعمل على إضعاف الدولة باعتبار أن قتل عمر ابن الخطاب قد أزال عقبة كبيرة من أمامهم ولاشك أن هزائمهم العسكرية وكسر إمبراطورية كإمبراطورية فارس لن يمر بسلام لكنه يستعدي بعض التحالفات ويستدعي أن تشهد المراحل القادمة أدوارا أخرى .

العلاقة الفارسية اليهودية قديمة وليست وليدة الساعة ولم يكن لهذا الالتقاء بواعثه الفكرية بل قواسمه المصلحية المشتركة والالتقاء عند عدو مشترك فاليهود والفرس وأناس آخرون اتخذوا من موت النبي صلى الله عليه وسلم فرصة ليأخذوا بثاراتهم القديمة أما بتقمص البعض للدين بصورة مختلفة ليعمل في إطاره مستغلا ثغرة الخلاف ليكسب صفة شرعية بدلا من التعامل الظاهر كعدو حتى لا يتسبب في توحيد المتخالفين ضده وإما بإثارة الخلاف وتصعيده في منطقة غير مهيأة لفهم مثل هذه الدسائس والخدع الحربية وإما باستغلال أطراف من الداخل أفقدهم الدين مكانتهم الاجتماعية. .

عبد الله ابن سبأ اليهودي (من تنسب إليه الطائفة السبئية) لعب أدوارا كبيرة في هذه الفتنة وكان المحرك الأول والأساسي للمشاكل التي حدثت في عهد الخليفة عثمان ابن عفان ثم صاحب الدور الأبرز في ما حدث بعد ذلك ولا تخرج المعتقدات الرافضية في الإمام علي عن ما كان يعتقده كذبا فيه من حيث المغالاة التي وصلت أحيانا إلى درجة التأليه وكما تذكر كتب التاريخ أن ابن سبأ يهودي أعلن إسلامه ليمارس هذا الدور متمترسا خلف قضية التشيع للإمام علي رضي الله عنه وأنه قدم من اليمن ولعلكم تعرفون علاقة اليمن آنذاك بالفرس حيث حكمها الأبناء فترة من الزمن .

النشأة الرافضية كانت حربا غير تقليدية تخوضها فارس من داخل الصف الإسلامي وتحت شعارات دينية إسلامية أيضا لهذا تجد الدين الرافضي يتحدث بصورة بعيدة عن المسئولية تماما ولا يهمه إطلاقا أن يتشوه الدين حين تُـحسب عليه مثل تلك التخريفات التي يعتقدونها والبعيدة كليا عن المنهج النبوي وعن مقاصد الشريعة غير أن هذا الفكر يتحول سريعا إلى مؤسسة عسكرية كلما سنحت الفرصة وجاهز للانقلاب حينما يجد لأهدافه منفذا سواء الأهداف التي تتحدث عن قيام دولة فارس أو الأهداف التي تتحدث عن إسقاط الدولة الإسلامية فالسقوط بحد ذاته مكسب ومن الثاني ما قام به ابن العلقمي مع التتار من تواطأ ضد المستعصم ودولته وحدث ما حدث حسب ما هو مدون تاريخيا.

العقيدة الرافضية بكل مسلماتها مجرد سلم للوصول إلى الأهداف التي رسموها لهذا من السهل جدا أن يتخلوا عنها حين تدعوهم مصالحهم فالمهدي باعتباره من أساسيات الخلاف الإسلامي الرافضي وقيمته في قائمة الثوابت الرافضية أكبر منها في قائمة الثوابت الإسلامية وهو المنتظر لوضع إستراتيجية بناء دولتهم إلا أنهم تخلوا عنه تماما حين رأوا أنه سيظل عائقا أمام بناء الدولة وكان يجب أن يمرر هذا الاستغناء تحت غطاء أسموه مؤخرا ولاية الفقيه (النظرية الخمينية ) رغم وجود ما يقارب الستة ألف حديث في كتبهم تتحدث عن المهدي وعن أدواره وأنه المنتظر الوحيد الذي سيعيد الأمور إلى نصابها .

سيستغنون عن الحسن والحسين وعن الإمام علي رضي الله عنه كليا وعن التظلم لآل البيت حين تدعوهم المصلحة الفارسية إلى ذلك لهذا ينجح التشيع فارسيا لأن الخرافة في مذهبه مجرد غطاء ويخفق عربيا حين يتعامل معها على أنها ثوابت دينية ولأن إيران تبنت دعم المنتسبين إلى هذا الفكر فقد تحول التشيع العربي إلى بوق إيراني ويد لها في المنطقة تساهم في التهيئة للمشروع الصفوي بطرق مباشرة وغير مباشرة بل بات تابعا فكريا لهذه الدولة وإن قامت بنقلات فكرية فريدة من نوعها لا تتفق مع أساسيات المذهب القديم كما حدث مع الخميني .

ما أشبه الليلة بالبارحة هاهو التتار الأمريكي يعود من جديد وهاهي علاقم إيران تباشر نفس الدور وهاهي بغداد تفرض نفسها لتكون ساحة لمجازر جديدة ضد خصومهم الفكريين (السنة) وربما تتبعها ساحات أخرى .

ما نريد قوله أنهم مجرد علاقم ينتظرون أي تتار لمحاربة عدوهم المشترك غير أن العمالة تطورت نوعا ما وبدأت تمارس تحت غطاء معاداة اليهود والنصارى لأن الشارع الإسلامي بشكل عام يحتاج إلى هذه اللغة .


نسمع كثيرا عن أولويات الولايات المتحدة في المنطقة وتكاد إسرائيل والاهتمام بحمايتها تحتل الأولوية الأولى باعتبار أن الإدارة الأمريكية محتلة يهوديا غير أننا نجد أنفسنا أمام واقع من التناقضات إن وقعنا في فخ تصديق بعض الألاعيب السياسية .

القاعدة لم تقم بتنفيذ أية عملية داخل إسرائيل وزعيمها ابن لادن خلت تهديداته من التطرق لها فلماذا لم تتعامل الولايات المتحدة مع السيد حسن كما تعاملت مع بن لادن إن كان فعلا قد حققا نصرا وألحق بالحكومة الإسرائيلية الكثير من الخسائر؟ ألا يشكل وجوده بهذه القوة خطرا عظيما على مستقبل إسرائيل في المنطقة؟ لماذا لم تتعامل الإدارة الأمريكية مع الحكومة اللبنانية كما تعاملت مع حكومة أفغانستان ولماذا لم تطلب من الرئيس اللبناني تسليم السيد حسن كما طلبت ذلك من الملا محمد عمر ؟ ولماذا لم تجند العالم أيضا ضد لبنان وإيران ؟ بل لماذا لم تقم الطائرات الإسرائيلية باغتيال السيد حسن وهو يلقي خطاباته المباشرة والمعلن عنها مسبقا على مرمى مسدس منها كما فعلت مع الرنتيسي والشيخ أحمد يس وغيرهما ؟

أسئلة لا جواب لها غير أن هناك تحالفا يهوديا فارسيا صليبيا هدفه الوحيد القضاء على الإسلام السني وغيره ليتخلصوا من المشروع الذي يمكن أن يهز كيانهم مستقبلا .
في النهاية يجب القول إن محور شر اليوم المتمثل في إيران وأمريكا وإسرائيل امتداد لمحور شر الأمس المتمثل في بني النظير وفارس والروم بنفس الأهداف .



عبد الرزاق الجمل ــ الشموع
24/رمضان/1428